العدد 3590
الإثنين 13 أغسطس 2018
“يا زمان البنغال”
الإثنين 13 أغسطس 2018

أضحت حادثة مقتل إمام مسجد بن شدّة الأسبوع الماضي، من العلامات البارزة التي لن تنسى في مجتمعنا البحريني لسنوات طويلة، كون الضحية إمام مسجد، والمتهم الأول بقتله مؤذّن المسجد نفسه، وبشاعة الأمر الذي جرى، وعلى الرغم من الكثير من الغموض والشائعات التي تحيط بالأسباب الحقيقية التي أدّت إلى النهاية المأساوية التي آلت إليها الأمور، إلا أنه من المرفوض تماماً إنهاء الخلافات بالطرق غير السوية، والوحشية منها خصوصاً، بعيداً عن القانون وتطبيقاته.

إلا أنّ ما شدّني هو ردود الفعل بعد الحادثة، والمطالبات الشعبية المتّسمة أحياناً باستئصال “شأفة البنغاليين” من البلاد، والذاهبة أحياناً إلى أن إنهاء وجودهم يعني إنهاء رخص الكثير من الخدمات التي يؤدّونها ربما بمهارة أقل، ولكن بأسعار أقل أيضاً.

فماذا يعني أن تجري “بحرنة” قطاع المؤذنين دفعة واحدة، وبجرّة قلم، ونتيجة للحادث المؤلم؟ هذا الأمر رائع جداً، ويمتصّ جزءاً من البطالة أيضاً إذا ما وعينا أن هناك حوالي 800 مسجد في البحرين، والسؤال: أين كان هذا القرار؟ ولماذا يخرج الآن تبعاً لحادثة واحدة فقط؟

قيل، والعهدة على من قال، إن هناك حركة كبيرة لتسفير أكبر قدر من البنغاليين في البحرين بعد هذه الحادثة، وهم من الذين يقيمون بشكل غير قانوني، والذين يسمّون “العمالة السائبة” أو “فري فيزا”، والسؤال أيضاً: ألم تكتب الصحافة مراراً عن القنابل الموقوتة للعمالة السائبة؟ ألم يجر التحذير من أكثر من خبير ودارس من وجود هذه الفئة غير القليلة من القوة العاملة في البحرين، التي تهدد الأعمال الرسمية والمنضبطة، وتشيع الفوضى من الناحية الاقتصادية، وهي جمر يتّقد تحت الرماد اجتماعياً نظراً للعديد من العوامل؟ ألم يجر السكوت والتجاوز عن الذين يجلبونهم من بلدانهم ويطلقونهم في الشوارع والأسواق والأحياء يتلقطون أرزاقهم لعقود ثلاثة على الأقل... لماذا بعد حادثة واحدة شمّر من شمّر عن ساعديه لالتقاطهم وتسفيرهم؟

بل السؤال الذي يستتبع سابقه: لماذا هذه الجنسية بالتحديد؟ سيقال: لقد كثرت مشاكلها، ولكن أي إنسان يعيش ظروفاً ضاغطة وغير سليمة ويعامل بشكل يحطّ من كرامته وإنسانيته، وعندما يرى أن هناك تراخيا في التطبيق، وإغماض العيون عن وضعيته، فلا نتوقع منه أن يكون ملاكاً كريماً، أيا كانت جنسيته.

وفي مقال سابق كتبته، كان القاتل بنغاليا يعمل في كراج، وقتيله زبونه البحريني (2008)، وكانت ردة الفعل نفسها تقريباً، لم يتغيّر شيء.

إن ردود الفعل قد تتناسب مع فردٍ غضوب، أو عاطفي جداً، بحيث تأتي أفعاله تبعاً لما حدث، وليس لما سيحدث، أي أنه ينفعل ولا يفعل، يتصرف تالياً، بينما في الدول المتقدمة، وتلك التي تريد التقدم، يجري الرصد الواعي لكل المتغيرات المجتمعية، ويضعون لها السيناريوهات لما قد يحدث، ومن ثمّ تجري المعالجات الهادئة من دون ما تسرّع يبيّن أن حادثة ما قد أفاقت نائمين من سباتهم، ولسعت بسياطها ظهور خيول كانت تتهادى في مشيتها لوقت طويل. كل ما أرجوه هو ألا تعود القصة مجدداً بشكل آخر، وننتفض كمن يقوم من نومه فزعاً لجاثوم كبس عليه، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويعاود النوم مجدداً.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية