العدد 3584
الثلاثاء 07 أغسطس 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
مقال 2005 والمقاطعة المرة
الثلاثاء 07 أغسطس 2018

أضع بين أيديكم مقالا نشرته في 2005 وكأنه يحكي واقع اليوم، وكم كنت أتمنى تطبيق ما ذكر فيه وما سبقه في 2002، وكان كل هدفي خدمة الناس والوطن. إليكم المقال:

اتصل بي شاب هاتفيا، وقال لي: سيد، هل تبرئ ذمتي؟ قلت له: على ماذا؟ قال: أنا بقيت 4 سنوات أهاجمك في الإنترنت بسبب موقفك من المشاركة وأراني الآن بعد 4 سنوات مقتنعا بها كأمر واقع. قلت له وأنا ألطف الجو: وماذا قلت في الإنترنت؟ قال: قلت إنك عميل وخائن وإنك طرحت مقابلة فضل الله... قلت له: لا بأس أن تكون أنت مقاطعا وأنا مشارك من دون أن نخون بعضنا بعضا. يجب أن نتعلم من درس المقاطعة والمشاركة ألا نعود إلى هذا الأسلوب أبدا... افتحوا النوافذ، ناقشوا القضايا بعيدا عن لغة التخوين وبعيدا عن الشعارات المدغدغة للمشاعر التي تختزل الواقع في كلمات قصار؛ لأن هذه اللغة التخوينية ستأكل الجميع، والعزف على وتر بيع دماء الشهداء وبيع القضية لا يزيدنا إلا ضعفا، وها نحن نشهد بعض شبابنا الأعزاء بدأوا يطلقون رصاص الاتهامات والتجريح على الجميع بمن فيهم العلماء. هذه اللغة خطيرة ويجب على المجتمع ألا يسمح بأن تصل إلى المؤمنين. انتقدوا لكن لا تجرحوا. وأنا شخصيا لا أؤمن بالكلمات التي تهيج المشاعر، لكن لو سألت وما هي المحصلة وماذا بعد ذلك؟ تكون الإجابة: لا جواب. أقول يجب الحفاظ على وحدة الكلمة، يجب ألا يتم التطاول على العلماء، يجب ألا نعيد اختزال الساحة في الأسود والأبيض والخائن والوطني هذه الثنائيات التي لا تؤكل الناس إلا هواء، لا بأس بالنقد، يجب أن نتكلم بلغة الأرقام وبلغة العقل ونحسب الوضع ونضعه في ميزان بعيدا عن الشعارات، بعيدا عن التحشيد، نعيد مراجعة الساحة ونشتغل على مفاهيم الكرامة البشرية الواقعية وعلى المعرفة وعلى الاقتصاد. لا نريد خطابا تنظيريا، نريد خطابا لنسأله: هل وراء الخطاب إنجازات أم لا، هل وراءه انعكاسات اقتصادية تنعكس على معيشة الناس أم لا؟ ليس ثقافة الموت هي الثقافة الصحيحة بل ثقافة الحياة هي الصحيحة، ليس صحيحا أن أسجن وكفى هو الخيار، ليس قدرنا أن ندخل السجون، ليس قدرنا أن نتغرب، نحن لم نخلق لنسجن، لنموت، لنذبح، قدرنا أن نعيش في الدنيا كمزرعة للآخرة، وليس صحيحا أن الموت والسجن والتعذيب هي فقط الطرق إلى الآخرة، فالآخرة أيضا لها طرق أخرى ومن طرقها أن نعيش، أن نحيا، أن نرى زينة الدنيا فالدنيا أولى بها أبرارها. قدر ابني وابنك أن يتعلما في أفضل الجامعات في العالم، قدر ابني وابنك أن يبنيا مصرفا كبيرا، أن يبنيا مشروعا اقتصاديا، المعرفة أولا قبل كل شيء، إن مقولة أعيادنا أحزان كلمة ليست صحيحة. أعيادنا أعياد وأحزاننا أحزان وأي خلل في ذلك سينعكس على المنظومة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية للجميع، وعلى ذكر السيد فضل الله فلا بأس بالرجوع إلى مقاطع من المقابلة التي أجريتها معه لعل الإخوة الأعزاء ممن يضغطون على إدارة “الوفاق” بعدم المشاركة ينتبهون إلى الخطأ الاستراتيجي لعملية المقاطعة. يقول فضل الله في المقابلة تاريخ 3 يناير 2005: “المقاطعة السلبية لا تؤدي إلى نتيجة... الطلب من الناس ألا تنتخبوا قد لا ينسجم مع غالبية للناس... وهناك آخرون سيركبون الموجة لهذا أقول إنه يجب الدخول في العمل السياسي السلمي من جميع منافذه وأن ننبذ أي عنف أو ما يؤدي إلى العنف. العمل في السياسة يجب ألا يكون عملا تجريديا، تفكيرا في المطلق. السياسة هي فن الممكن... السياسة الواقعية ليست هي الاستسلام للأمر الواقع، ولكن إلى تغيير الواقع بأدوات الواقع... يجب مراجعة الوسائل وأساليب الخطاب السياسي... أنا أسأل... الآن أنتم من خلال هذه المقاطعة التي صدرت للانتخابات... ما الحصيلة؟ ما الحصيلة ميدانيا؟ هل استطاعوا أن يحققوا نتائج على المستوى السياسي مثلا؟ صار المجلس - والكلام مازال للسيد فضل الله - ومشى وأنتم غائبون... ماذا تعملون الآن؟ تعارضون؟ تصريح من هنا أو تصريح من هناك! لكن لستم لاعبين في الساحة... ربما أصبحتم على الرصيف، على هامش الساحة وليس في قلب الساحة... أنا عندما أشارك وأجلب الشعب معي أستطيع أن أرفع صوتي داخل المجلس، أقوى من لو كان خارج المجلس.... ليس فقط دائما أطرح الجانب السياسي الثوري أو المقاطع... أطرح مشروعات... أطرح البرامج التي ترتبط بمصالح الناس واجتذب الشارع بكامله”، وعندما قلت له: لكن البرلمان ضعيف، أجاب: “أدخل وأقويه... لو افترضنا جدلا أنك لم تدخل المجلس وقمت بالكلام خارج المجلس... من ناحية واقعية عملية... إلى أين؟ وماذا حصلت؟ في الخارج ليس عندك أدوات التغيير... الإمام علي (ع) لم ينسحب من الواقع ولم يقاطع السياسة، كان ينصح الخلفاء ويعطيهم النصيحة... أنا أقول: يجب أن نكون موضوعيين، يجب أن نركز على الإيجابيات وننتقد السلبيات وأن نحافظ على البلد...”. (العدد 850 الاثنين 4 يناير 2005 “الوسط”).

هذه مقاطع من المقابلة التي أجريتها مع السيد فضل الله وتم نشرها في صحيفة “الوسط”. علينا أن نعيد قراءتنا للمقابلة عشر مرات ونقرأ نصائح عشرات المفكرين العرب من الكويت والسودان ولبنان ومصر والعراق ولنقرأ تجارب من قاطعوا البرلمانات ثم عادوا لكي تصحح الأوضاع.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية