العدد 3583
الإثنين 06 أغسطس 2018
الانتقال من فتاة إلى “رمز”
الإثنين 06 أغسطس 2018

ما إن خرجت الأسيرة الفلسطينية عهد التميمي من السجن الأسبوع الماضي، وأخذت ما أخذت من الاهتمام الفلسطيني والعربي والعالمي، وأحاطت بها الميكروفونات والكاميرات لتلتقط لها الصور، حتى غيّرت إذاعة مونت كارلو خريطة برامجها ذلك اليوم لأنها “حصلت” على بضع دقائق من التميمي تحكي فيها عن بعض معاناتها في السجن، وطموحاتها الدراسية وغيرها من الأمور التي تتعلق بطفلة، أيّاً كانت تجربتها؛ أقول: ما إن هدأ غبار الاستقبال حتى خرج البعض بما يشبه اللائمة لوسائل الإعلام التي ركزت على عهد فقط ونسيت أسيرات في عمر الطفولة، أصغر من عهد، والأسيرة إسراء الجعابيص التي تم تشويه وجهها في السجن، وغيرها.

حرص السائرون عكس التيار العام على إظهار “الإهمال” الإعلامي الذي أحاط بالأسيرات الأخريات، وأنه في الوقت الذي كان يجري فيه تغيير مكان تسليم عهد التميمي أكثر من مرة منعاً للتجمهر، فإن أسيرات خرجن ولم يكن في انتظارهن إلا الوالدان فقط، وكان المشهد خليطاً بين اللائمين على الإعلام عدم المساواة، والنافسين على عهد استحواذها على العدسات والاهتمام، والراغبين في مخالفة ما ذهب إليه السواد الأعظم من الناس وإعلامهم، هذا مع تجاوز الملاحظات الطفولية، والأخرى ذات المغازي والمآرب المختلفة، في طبيعة المعاملة، والشكل الذي خرجت به التميمي، وغيرها من ملاحظات لا ندري ما الذي يريد أصحابها قوله من وراء إطلاقها.

إلا أن التميمي باتت اليوم رمزاً نضالياً فلسطينياً، سواء اتفقنا أم اختلفنا في هذا الأمر، بالتأكيد كثيرات غيرها عانين أكثر منها، وبالتأكيد كان هناك من هنّ أصغر منها سناً، وبالتأكيد أيضاً، هناك من قضين ويقضين مدد اعتقال وحبس أطول من تلك التي تعرضت عهد لها، ولكن صناعة الرموز لا تصدّق هذا الكلام، ولا تعنيها المعلومات، ولا كمية الآلام، لكن هناك متطلبات للرمزية لا تتوفر في كل شخص، وعلى الرغم من أن العطاء كبير لدى عدد ليس قليلا من أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أنه من غير الممكن أن يكونوا جميعاً رموزاً، فالتركيز سيكون على وجه واحد من بين الجموع، كما اختصر نضال أميركا الجنوبية في تشي غيفارا، وكما تغيب وجوه الملاكمين ويصبح محمد علي كلاي الأسطورة، وكما تتساقط صور جميع من قضوا في جنوب إفريقيا ولا يبقى في الذاكرة إلا نلسون مانديلا، وكما تبقى صورة واحدة فقط تذكرنا بعبدالقادر الحسيني، ويسمى جمال عبدالناصر زعيماً دون غيره من الرؤساء العرب.

إن بروز فتاة مناضلة من فلسطين، في هذا المحيط الإعلامي المتلاطم الذي لا يرحم ولا يؤمن إلا بما يشبع النهم الاستهلاكي، من الأمور التي على العرب التمسك بها جيداً، لأن في الغالب هناك التفات عام عن هذه الأمة، وعلينا دعم هذا الرمز حباً لأنفسنا وليس في الشخص نفسه، والحفاظ عليه من الزلل والانحراف، وجعل هذا الرمز أقوى وأنضج متحدثاً عن القضية المركزية، حاملاً الآلام، متخطياً الصعوبات... هذا هو ما علينا العمل عليه، بدلاً من المضي في سلاسل التشكيك والتهوين والإحباط.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية