العدد 3579
الخميس 02 أغسطس 2018
التنمّر المروري
الخميس 02 أغسطس 2018

لأن مقر عملي يبعد عن مقر سكني 35 كيلومتراً، وهذه المسافة بمقاييس البحرين، بعيدة جداً، وفي “آخر الدنيا”، فإن من “اللوافت” في هذه المسافة أن أختبر ثلاثة أنواع من الطرقات، وبالتالي ثلاثة أنواع من السائقين، وهي الطرق الداخلية في الأحياء، والشوارع التي تخترق المدن، وأخيراً الشوارع المفتوحة أو السريعة، والسائقون في كلِّ طريق من هذه الطرقات له تصرفات مختلفة بحسب تدفقات السير، والسرعات المحددة، والتي غالباً لا يتم الالتفات إليها حينما تغيب كاميرات الشوارع.

أعتقد أننا في السنوات الأخيرة ودّعنا – إلى غير عودة – الذائقة العامة في قيادة السيارات في البحرين، وهو الأمر الذي كنا نفاخر به على الدول الخليجية المجاورة لعقود، فهذا الأمر اضمحلّ إلى درجة أنه بات من المستغرب أن تجد من يبدي أخلاقاً مرورية عالية تجاه الآخرين، وهو الأمر الذي كان معتادا وطبيعيا في سنوات مضت، لكن ما تبع تآكل الذوق العام، وزاد عليه، هو “التنمّر المروري”، وهي من الظواهر المتعاظمة بشكل مرعب في شوارعنا.

كان “التنمّر المروري” في السابق مرهونا بعمر السائق، فكلما كان يافعاً صدقت عليه صفات التهور، أو كان المتنمّر يعتمد على نوع سيارته، أو ضخامتها، أو اصطفاف أرقام لوحته المعدنية بأناقة بالغة، فيقوم بالضغط على السوّاق الآخرين بشكل مبالغ فيه، مع إشارات ضوئية سريعة متقطعة تقول لك: “ابتعد عن طريقي وإلا...”، وربما يكون الأمر مقروناً بصوت بوق السيارة، وما على السائق حينها إلا أن يفسح الطريق لهذا المسرع المتهور حتى لا يناله شيء من تهوّره وحماقته.

ولكن “التنمّر المروري” اليوم صار صفة غالبة، فلا يخلو يوم من التعرض لهذا النوع من الضغط في الغدوّ والرواح، ولم يعد الأمر مرتهناً بنوع السيارة ولا ضخامتها، ولا لوحتها ولا سنِّ سائقها، بل راح الزمان الذي يقال فيه إن المرأة قيادتها ألطف من الرجل وأكثر وجلاً، فصارت عملية التنمّر منتشرة بشكل كبير ولافت، وعلى السائق أن يفسح المجال لهذا الذي قد التصق بظهره لئلا يتهور أكثر ويحدث ما لا تحمد عقباه، وقد لا يجد هذا السائق المضغوط عليه مهربا، لا عن اليمين ولا عن الشمال، بينما من وراءه لا يكفّ عن حشره في أصعب الظروف، وإن لم يستجب السائق لهذا “الإرهاب الشوارعي” بالإزاحة عن الطريق، تعدّاه من ورائه ليأتي أمامه مفرملاً سيارته ليربك السائق المارق، بما يمكن أن يتسبب في حادث، ولن يرفّ للمتنمّر جفن إن وقع.

الصديق الصحافي محمد فاضل كتب مرة على جداره الإلكتروني “الأنانية مصدر جميع الشرور في الدنيا”، وقد حاولت لعدة شهور أن أنقض هذه المقولة، ولكنني لا أرى إلا أنها تتأكد، فالأنانية تجعل الإنسان يأخذ دور غيره، وتجعله يشعر أن له الحق في أن يتجاوز القانون، أو يستفرد بخدمة، أو يستحوذ على مال، أو يستولي على الشارع على الرغم مما في هذا الاستيلاء من مخاطر لا معنى لها أبداً.

نقطة أخيرة، يحق لي أن أدّعي أن “التنمّر المروري” مصطلح من اختراعي، إذ لم يجده العمّ غوغل على شبكته!

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية