العدد 3577
الثلاثاء 31 يوليو 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
“كاسيت” السيد
الثلاثاء 31 يوليو 2018

رجعت من إيران وعلى كتفي أكثر من حقيبة معبأة بجواهر وقنابل، لتجارب إما تجعلك بعقل غائب أو بقوة محارب. وقدرتك أن تحول الطعنات إلى قبلات. تجارب قادتني إلى قناعات مازلت أنزف بعضها على ورق الكتابة، قد تصنع العاصفة، وتعطي للجدل أجنحة نسر أو تحوله إلى كتل نار بين قارئ يتذوقها وقارئ يركلها، وآخر يعضها حنقا، بيد أن هدفي هدف فلسفي هو إخراج الجماهير من البركة الراكدة إلى حيث شلالات التغيير وموج التفكير والنقد والمراجعة.

صدمني موقف مقاطعة جمعية الوفاق لانتخابات برلمان 2002 وبقيت أعاني اكتئابا فكريا، كيف بعد كل هذه التضحيات، وسنين الغربة والعذاب، ووجود فرصة ذهبية للملمة الجروح، وزراعة أمل على ناصية الحلم، تنكسر الأماني بسبب سوء تقدير الموقف وضعف التجربة؟ والنَّاس ستدفع الثمن؟ تألمت كثيرا، وبللت بعض أوراقي بالدموع، لكني صرخت، فلم أوفر أحدا بالنقد، وكنت أراها حرنا عاما وتذكرت رسالة نزار قباني ((إذا كانت صرختي حادة وجارحة، وأنا أعترف سلفا بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة، ولأن النزيف يكون بمساحة الجرح))، وكنت أتجول في شوارع البديع واضعا كاسيت نزار يقرأ عتابه وأنا أردد معه، لكن عن البحرين: “من منا لم يصرخ بعد المقاطعة في البحرين” بعدها فجرت قنابل الكلمات الرافضة في وجه المقاطعة مؤمنا ألا يفل الدين إلا دين مثله.

هرولت إلى السيد والمرجع الكبير محمد حسين فضل الله، الذي اعتبره المرجع الأكثر ثراء فقهيا وتفسيرا ووعيا وجمالا وحضارة، هذا الذي أرى بعقله تتدلى قناديل علي عليه السلام، وعلى جبهته تشرق شمس كربلاء، وتغفو على مشارف شغاف قلبه يتامى الحسين.

هذا الذي أوقد بقلبي صوت زينب عليها السلام، ومهما اقتربت من قمر الحضارة يشدني العشق لأهل البيت عليهم السلام جمالا إنسانيا، وتأصلا جذريا بفخر جذر ذهبي لسلالة الرسول (ص).

جلست مع السيد في مكتبه في بيروت ببئر العبد في حديث طويل مبحرين في عالم السياسة، وتغيرات المنطقة وحرائق الإقليم من منطلق فكري، وبعد علمي. وجهت للسيد أسئلة عن المقاطعة وخيار المقاطعة لأغلب الشيعة للبرلمان البحريني، التي بدأت بورصتها في الارتفاع مكسرة كل الأرقام في البحرين، وكنت أسأله في ضمن سياق الرجل الذي عاش تجارب الساحات السياسية، ومن بعد نقدي للحركات الإسلامية الشيعية والسنية، فأجاب: إن الحركات الإسلامية لا تستفيد من أخطاء الماضي، فمقاطعة الانتخابات لا تخدم الناس، وهو تضييع لفرص التواصل مع الدولة وتضيع حقوق للناس يمكن اقتناصها، والوطن لا يبنى إلا بالتواصل.

سجلت كل اللقاء في كاسيت لنشره ونشرته في 2002 في صحيفة الوسط وكان بمثابة زلزال. وكان هدفي الحذر من خطورة موقف المقاطعة، لكن خيار المقاطعة كان قد عبأ كل الرؤوس.

ما قلته في 2002 أقوله اليوم في 2018 شاركوا في الانتخابات ادعموها، توافقوا على نواب وطنيين دون النظر لمذهبهم، وإنما مدى قلبهم على الناس والوطن. لا تكرروا الأخطاء، وأنتم شهدتم الضعف الكبير لبرلمان 2014 ونوابا هم يسقطون استجواب الوزراء بأنفسهم وكان بإمكانهم استجواب وزير المالية والعمل والصحة، وغيرهم وبلغة أرقام وحقائق وعلى البرلمان أن يسقط بالاستجواب أي وزير، وهذا من حق الناس على النواب إذا قصر وزير. وأنا مع نظرية تعميق استجواب الوزراء بلا ديكور أو مجاملة.

والنواب أنفسهم للأسف يغلقون لجان التحقيق، وهم يضيقون صلاحية القانون، وهم يرشحون أنفسهم، فلا ترون إلا إعلاناتهم الانتخابية في موسم جديد وعند ترشيح جديد طبعا إلا ما نذر أقول: شاركوا ولا تقاطعوا، وأعيدوا الأمل.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية