العدد 3576
الإثنين 30 يوليو 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الدين جميل بلا سياسة
الإثنين 30 يوليو 2018

ابتدأت منطلقاتي الفكرية في الإيمان بالدولة الدينية. عشت سنوات في إيران مع كثير ممن تسلموا مقاليد الحكم في العراق وبعضهم أصبحوا وزراء. وكنت في حلقة فقهية مع السيد عمار الحكيم في منتدى جبل عامل، نغرف فقها على يد العلامة حسن الجواهري، في دراسة ((اللمعة الدمشقية))، وأحيانا أخرى مع أية الله السيد حسين الشاهرودي.

قدمت حوارا ذات يوم لرئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي المعارض السيد محمد باقر الحكيم في مجمع البحرين في قم. وكنت أبحث عمن يقنعني ببراهين علمية وعقلية بأدلة قيام الدولة الدينية سنية كانت أو شيعية.

مررت بحلقات آية الله السيد كاظم الحائري، وهو بالمناسبة مرجع مقتدى الصدر. درست عنده دراسات في البحث الخارج. وكان يتناول بدراسه فقهية نقدية لأطروحات السيد المرجع فضل الله حينها الذي طالما حل ضيفا ببيته السيد المؤرخ العاملي.

وكنت معجبا بنزاهة أيقونة الزهد والتقوى محمد مهدي الآصفي، وكنا نأخذ دروسا أخلاقية. وهو يعتبر أحد أركان حزب الدعوة الروحيين. وكنا في لحظات تاريخية نستمع في المنتدى للسيد حسن نصر الله خطيبا، وتارة الشيخ العلامة محمد مهدي شمس الدين الذي لو اتبع الشيعة نصائحه في كتابه (الوصايا) لكانوا أكثر واقعية ولم يدفعوا كل هذه الفواتير السياسية، وللحق أشهد الآن تغيرا كبيرا من تغيرات إستراتيجية في تفكير فئة الشباب، الذين يتواصلون معي عبر الميديا، من أماكن مختلفة بحرينيين وغير بحرينيين، ومن طوائف مختلفة آخرهم مسيحي وصابئي من السويد، يتراسلون معي مؤمنين بهذا المنهج.

لم أجد إجابات تقنعني بالدولة الدينية في كل كتب الحوزة، فرحت أنكش كتب إخوان المسلمين وكتب السيد قطب وتفسير (في ظلال القرآن).

سمعت كلام نصر الله عن قرب في زيارات خاصة في محل استضافته قبل عشرين عاما، وهو ينظّر فكريا، فلم تتغير قناعتي. والتقيت بقائد الثورة الإيرانية الخامنئي مع بقية وفود من العالم. استمتعت لخطبه، وكان آخر لقاء معه بمعيّة المرحوم الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة، في وفد بحريني رسمي في حسينية جمران، وكان يخطب في جمع من الوفود.

أمام كل هذه المخاضات وتكدس المحاضرات وابتلاع الكتب لم أجد دليلا واحدا يقنعني بإقامة الدولة الدينية، ومازلت رغم إيماني بالدِّين كركن أساسي في الوجود والحياة، لكني أجد هناك حلقة مفقودة في فهم فلسفة الحضارة، وقيام الدول. حتى تنقلت بين بئر العبد ببيروت زائرا المرجع المستنير فضل الله، وجبال منطقة بعلبك اللبنانية إلى رؤية تآكل شعبية فضل الله لكاسيت مهرب من أقبية إيران لعزل مرجعية فضل الله الضاربة كزلزال في البيت الشيعي المخطوف بأبجديات تصدير الثورة، وهذه قصة أخرى نوردها في كتابه (سيرة النار) إلى المنعطف نحو فلسفة ديكارت ونيتشه وفوكو وراسلو كتابات جان جنيه وأوسكار وايلدو فولتير. تلك تجربة النار.

قرات في النقد الفلسفي والأنثربولجي ولدريدا وأركون والجابري وعلى حرب، وبعد مخاض وصلت لقناعة أن الحل في الدولة المدنية لا الدينية؛ لأن المدنية هي التي تحفظ الدين، وتعطي الحرية لكل الأديان، ولا تتدخل بالحرية الشخصية.

فصل الدين عن السياسة منهج المدرسة الإخبارية رغم تمسكها بأصول الدين، ومنهج حتى أتباع المدرسة الأصولية كالمرجعين السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي.

أنا مؤمن بالأركان الدينية، وحب أهل البيت والمقدسات لكل الطوائف والأديان عبادة وطقوسها، لكني أؤمن بفصل الدين عن السياسة، ولا أؤمن بالدولة الدينية سنية أو شيعية.

والسؤال: ماذا فعلت المعارضة العراقية التي جاءت بنكهات دينية عندما رجعت للعراق. وها هي العراق تلملم أشلاءها، وترتب أوراقها مع حكام جدد كانوا أزياء معارضة، فأصبحوا عارضة أزياء، على مسرح شعب ينام على الجوع، في زمن عراقي بائس تهرب فيه صناديق الذهب على الأضلاع المكسرة.

تفجرت مظاهرات عارمة لسقوط تماثيل الخيبة، وانتفاخ الفساد في المنطقة الخضراء في وقت صمت الكثير، إلا الوطنيين ((مهدي)) و((عثمان)) كان الأخير منتصرا لمهدي شيعي الجنوب، وعثمان سني الكاظمة الذي أنقذ الغرقى من الشيعة إلى أن غرق هو في النهر.

غرق عثمان لتنتصر وحدة العراق لتعود عربية الانتماء. وتموت الطائفية ويبقى الوقت. نريد عراقا عربيا مدنيا بحضارة.

 

كسر التابو: مصلى العيد بجدحفص سيعود قريبا بإذن الله بتواصل الجهود.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية