العدد 3576
الإثنين 30 يوليو 2018
“اللماذيّات”
الإثنين 30 يوليو 2018

الهجرة قرار قد يبدو صعباً لدى الكثير من الناس، لكن هناك من يضطر إليه، وهناك من يتخذ هذا القرار متجرعاً كأساً بالغة المرارة، إذ تجبره الظروف على ذلك، وهناك هجرات من وضع جيد إلى وضع أجود، ومن مناخ إلى مناخ آخر أنسب، والبعض يفضل عاصمة أخرى على عاصمة بلاده لأنها أكثر اهتماماً بما يهتم به، أو أنه يرى فيها حراكاً اجتماعياً وثقافياً يستحق العيش ضمنه.

لكن ما يجري في مسألة الهجرة اليوم من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني الذي بالكاد يستطيع أن يوصد أبوابه أمام هذه الموجات غير المتوقفة عن التدفق، فهي هجرات ليست فردية أو انتقائية، إنما هي ما يشبه إخلاء لبعض البلاد والتكدس في بلاد أخرى، إنه هروب جماعي من الدول الفاشلة التي لم تنجح في إدارة ملفاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية، ما جعل الأفق ينسدّ أمام الشباب خصوصاً، وهم ممتلئون بطاقات كبيرة لا تجد منافذ تنفيسها.

في الأيام الماضية تبادلت التواصل مع شاب عربي حاول التسلل مرتين من قبل للوصول إلى الضفة الأخرى في الجنوب الأوروبي، وسألته السؤال الافتتاحي: لماذا؟

لماذا؟ لأنني خريج تخصص مطلوب بشكل كبير جداً في كل مكان في العالم، وأراني منذ ثلاث سنوات وأنا على الأرصفة أنقل أوراقي من مكان إلى آخر، ومثلي العشرات الذين أعرفهم، ومن لا أعرف أكثر.

لماذا؟ لأنني لا أأمن على نفسي في بلد يمكن للابس البدلة العسكرية أن يفعل ما يشاء في أي شخص، لمجرد أن شكله لم يعجبه، ولا يمكن لأحدٍ أن يتكلم، ومن الصعب أن يجري العثور عليه لأنه ليست له أية ملفات أو أوراق، وإنما يرمى في المعتقلات حتى يبعث الله من يلتفت إليه.

لماذا؟ لأنني أرى بلدي وكأنها سوبرماركت على وشك الإفلاس، الأرفف بها مساحات فارغة تفتقر البضائع، والبضائع يعلوها الغبار، فلا أحد يشتري من هذا المحل لينعشه، وهذا ما يقوده إلى المزيد من الكساد، وفي انتظار اللحظة التي يُعلن إفلاسه، وهكذا الوطن، أليست هناك دول أعلنت إفلاسها من قبل؟

لماذا؟ لأن التدهور الأخلاقي تتسارع وتيرته، والقيم يجري تسطيحها، والمبادئ التي اجتهد أهلونا في غرسها في نفوسنا صار التمسك بها اليوم مَضحكة، والمال – على قلته – يمكنه شراء كل ما يحتاج من جيوش جرارة.

لماذا؟ لأننا نرى ونسمع عن حجم الفساد والسرقات الممنهجة التي تجري على أعلى المستويات في الدولة، وتُعرف السرقات من حجمها، أي كلما ارتفعت قيمتها عرفت أن المظلة التي تغطيها أرفع وأوسع ظلاً، ونتساءل: ما الذي يبقى لنا ولمن بعدنا إن قررنا الإنجاب؟

لماذا؟ لأن العلم والتعليم تحول إلى نقمة المعرفة وبؤس العارف، فكلما عرفت أكثر كلما أيقنت أن المسافة الفاصلة بين الوضع الحالي ووقوف الدولة على قدميها كبيرة، فما بالنا بالمسافة ما بين الوقوف والتحرك؟!

وجدتُ أن أي كلام يمكن أن أقوله سيكون أكثر من مثالي، فما قاله بالغ الوجع وأكبر من أن تتحمله مساحة مقال، فلم أزد عن قولي له: “لا تنس أن تطمئنني إن نجحت في الهجرة”.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية