العدد 3551
الخميس 05 يوليو 2018
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
الحياة على مُرّها... حُلوة!
الخميس 05 يوليو 2018

كم سمعنا أن فقد الأحبة غربة، غير أن عيش تجربة الفقد هذه مصداقٌ لا يقبل التشكيك أبدا بهذه الغربة، وأية غربة! ليست اغترابًا عن وطن؛ قابلٍا للرجوع، وليست نهاية لعلاقة مع شخص؛ بمحض اختيار! إنها تلك الحالة من الضياع، والتشتت، والتيه، وحالة من فقدان الذاكرة لأرواحنا التي ألفناها، أو عرفناها طوال حياتنا! فجأة نعيش اغتراب الروح! فجأة نشعر أن قطعة ما منّا لا ندري كيف نُعرّفها؛ استُلت منا بعنف، وقسوة، وخلّفت وجعًا غائرًا، لا نستطيع تحديد موقعه أو مصدره لا لأنفسنا، ولا لأحد!

على حين غرة منا؛ يأخذ الموت حبيبًا، كان يقاسمنا رغيف أيامنا الحلوة؛ فيصمت البيت، وتتبدل أقدار جميع من كان تحت سقفه، ليعيش كل واحد بداية من نوع إجباري؛ عليه فيها أن يتأقلم، ويمارس الدور الجديد، ويُمثله تمامًا كالممثل السينمائي الذي مُنح نصًا؛ ليحفظه، ويسير به حتى نهاية الفيلم، غير أننا لسنا هذا الممثل المؤقت في فيلم مؤقت! فهناك فيلم جديد بدأ؛ ليستمر، ونحن ممثلون – حسب الإرادة الإلهية – حتى آخر مشوار الحياة؛ وعندها – ويا للحياة الموجعة – علينا أن نمثًّل أننا بخير!

هناك في مكان ما من الروح خواءٌ ومساحة من الفراغ، عميقة، ومظلمة؛ فحين تفقد حبيبًا على هذه الدرجة من القرب، لن يملأها جيش من الأشخاص! إن هذا الحبيب غير قابل للاستبدال، ومكانته في النفس عتيّة مستعصية على أحد سواه! في هذه الروح كرسي مؤثث، له قياس دقيق، وحجم لا يستوعب أحدا إلا إياه! وعند ذاك؛ سيظل هذا الخواء يؤلمنا، سيبقى يشعرنا بأننا دائما بحاجة للشعور بالامتلاء، ولكنه امتلاء المستحيل؛ فقد غاب الذي يملأه حدّ الشبع، وحدّ الامتلاء، وحدّ الفرح المقطوف من الجنة!

هل سنموت بعده؟ ربما نخاطب أنفسنا، بعد هذا الفقد؛ بأن الموت الذي استلّ منا حبيبًا؛ سيكون هيّنا علينا؛ فعلى الأقل سيكون فاتحة اللقاء من جديد! فهناك في العالم الآخر لنا حبيب ينتظرنا، ولكن هل سنموت فعلا؟ من الطريف الغريب أننا نحن البشر، قد نظن أن جميع الناس قابل للموت إلا نحن أنفسنا! غير أن فقد هذا الحبيب سرعان ما يُذكرنا بأن قائمة الموت تشملنا، وأن أسماءنا مدّونة، وأن هناك موعدًا لن نُخلفه!

وما بين وجع الفقد، ومساحة الاغتراب، وما بين هلوسة الفاقدين، وصور الموت؛ هناك نور يجرنا بشدة نحو هذه الحياة الدنيا، هناك يد تمتد بقوة إلينا! إنني على يقين أنها مَدد إلهي عظيم، من الصبر، والرجاء؛ تفتح عيوننا على الحاضرين من الأحبة المحلّقين حولنا، الذين يشاطروننا نَفَسَ الحياة، نعم هناك فقد وألم لا يُنسى، غير أنه – وفي المقابل - هناك حضور جميل؛ دعونا نعيش لأجله، لكيلا يَفقدنا ونحن أحياء! فالحياة على مُرّها... تبقى حلوة.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية