العدد 3539
السبت 23 يونيو 2018
دروس من عملية “الحديدة” (1)
السبت 23 يونيو 2018

أكتب هذه السطور وعملية تحرير مدينة الحديدة اليمنية لا تزال جارية تمضي على قدم وساق وفق تخطيط عسكري دقيق يقدم العديد من الدروس في واحدة من أعقد العمليات العسكرية التي تنفذها جيوش نظامية في مواجهة عصابات وميلشيات تطبق استراتيجيات الجيل الرابع من الحروب، ولاسيما الشق الخاص بحرب المدن والشوارع.

من الضروري الإشارة إلى أن العقدين الماضيين شهدا العديد من العمليات العسكرية المماثلة، لاسيما خلال احتدام الصراع في العراق وسوريا وليبيا وغير ذلك، لذا كان التحدي الذي يواجه مخططي العمليات العسكرية في قوات التحالف العربي الداعم للجيش الوطني اليمني صعباً ومعقداً، لأن عملية تحرير الحديدة تجري في ظروف استثنائية تتمثل في أن أهالي المدينة موالون للتحالف والشرعية اليمنية ومن ثم كان الحفاظ على أرواحهم هدفا استراتيجيا ذا أولوية قصوى، والأمر الثاني أن العملية تجري وسط أجواء ترقب دولي لمجرياتها، وبالتالي كان من المهم تفويت الفرص على أية محاولة مغرضة لتشويه الهدف النبيل لدول التحالف بتخليص المدينة من هيمنة عصابة الملالي اليمنية.

تنفيذ عملية تحرير مدن مجهرية أو مشرطية كما يطلق عليها الخبراء العسكريون مسألة ليست هينة ولا بسيطة، لذا استغرق التخطيط والتنفيذ كثيراً من الوقت لضمان تحقق الأهداف من دون خسائر في البنى التحتية، ناهيك عن الخسائر البشرية الأشد إيلاماً، لاسيما إن كانت بين أشقاء لنا، فالذاكرة البشرية لا تزال تستدعي عمليات تحرير مدن في العراق وسوريا انتهت بدمار شامل على المستويين المادي والبشري، لذا كان الحذر العسكري حاضراً بقوة خلال مرحلتي التخطيط والتنفيذ، والذي جاء ليقدم دروساً مهمة في التخطيط العسكري في عمليات يتوقع الخبراء لها أن تكون أحد أنماط التحدي الذي يواجه الجيوش النظامية في القرن الحادي والعشرين.

ومن دروس هذه العملية الموازنة بين العمل العسكري والإنساني، حيث تزامن الجسر الإغاثي مع العملية العسكرية ليقدم المساعدات العاجلة للمدنيين بموازاة تقدم العمليات العسكرية، كسباً للوقت وتأكيداً على أولوية المدنيين في مثل هذه العملية المعقدة عسكرياً، والدرس الثاني يتمثل في كيفية تفادي الاستدراج لحروب شوارع مدمرة واستخدام القوة الجوية بحرفية ومهارة في استهداف العناصر المعادية من الميلشيات من دون الإضرار بالمدنيين، وهي مسألة تتطلب صبراً وتدريباً ومهارات قتالية ومعلومات دقيقة على الأرض، حيث تتضافر مجمل هذه العناصر لتقدم نموذجاً لعمل عسكري قتالي نموذجي، وهكذا جاءت العملية نموذجية في تنفيذ عمليات تحرير المدن من دون خسائر بشرية ومادية، كما يحدث عادة، ولتقدم نموذجاً في الأداء القتالي الذي يزاوج بين الفاعلية العملياتية وحماية المدنيين، ليقدم حلولاً لأحد أخطر التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة في خوض حروب الجيل الرابع التي تعد سمة مميزة لصراعات القرن الحادي والعشرين، حيث تم تجاوز تحديات أساسية أهمها تقديم مساعدات مستمرة لإغاثة السكان، وتجنيب المدنيين آثار الحرب في مناطق القتال، ثم تحقيق النصر العسكري وسط ظروف ميدانية معقدة بسبب التشابك بين المدنيين والميلشيات التي تتخذ من السكان حوائط بشرية تحتمي فيها. “إيلاف”.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية