العدد 3530
الخميس 14 يونيو 2018
أهذا عيد؟!
الخميس 14 يونيو 2018

بعد أن قمنا بجولتنا الاعتيادية في العيد حيث بيوت الأهل التي كانت قريبة من بعضها، وتحصيل “العيادي” الجيدة، قمنا نلف على بيوت المنطقة، التي كانت تمدّنا بقطع نقدية متفاوتة الأحجام والقيمة، مع صوت حاد لبعض النساء يأتي من الداخل يقول: “أنت.. أنت نعم... ألم تأتِ منذ قليل لتأخذ العيدية؟”، فيقوم الطفل بالقسم بأغلظ الأيمان أنها المرّة الأولى، ويعتمد على مهارته في التمثيل، وعلى فراسة المرأة في تصديقه... بعد هذا كله، الصبح يتصرّم ويتنحنح المؤذن عبدالله كور في فريج محطة السيارات القديمة لأذان الظهر، كنا قد اجتمعنا في بيت أحد الأقارب وثيابنا جديدة وجميلة لا تزال، فإذا بأحدنا يقول متبرّماً: “هذا عيد؟!!”، فردّ عليه أحدنا من فوره: “وماذا تريد؟ ليوة؟!”.

على مدى السنوات هناك نغمة تسري بين الناس بالضيق من يوم العيد، والملل الذي يسببه، والمجاملات الثقيلة التي تحدث فيه، والتكلف في ادّعاء المحبة والصفاء بينما في القلوب ما فيها، ومنهم من يلجأ إلى السفر هرباً من العيد، ومنهم من يعكف في بيته في ذلك اليوم حتى لا يلاقي الناس، وعند فحص المسألة تجد أن الأمر لا يعدو أسطوانات تكرر، ويتلقفها الناس عن بعضهم البعض، وحتى لا يغدو الفرد غريباً عن محيطه، فعليه قول ما يقولونه، وترديد ما يرددون.

فلم يمضِ على زواج إحدى الزميلات شهران أو ثلاثة إلا وهي تردد “الله يقطع الزواج والرجال”، كما تردد غالبية النساء، وإذا لم ترسل مساء السبت بكائيات بأن غداً الأحد، وبدء أسبوع جديد من العمل، فأنت شاذ عن المجتمع وتريد اصطناع التفرّد، إذ على الجميع أن يتفجّع على انتهاء العطلة، وعلى الجميع أن يتراقص فرحاً مهللاً ومهلّياً بالخميس، وعلى الجميع أن يتذمر من عمله وراتبه، وعلى الجميع أن يتمنوا لو كانوا في بلدان أخرى، وذلك أسهل عليهم من العمل على إصلاح بلدانهم، والأمثلة في هذا الباب كثيرة.

فهذا الزمان الذي يجلس فيه قريبان إلى جانب بعضهما البعض، غريبان عن بعضهما البعض، كل طأطأ رأسه يراسل أبعد الناس مكاناً، ويتضاحك مع ما لا يعرف، وربما من لم ير في حياته، نحن أحوج فيه إلى إعادة دفء العلاقات الاجتماعية فيما بيننا، فالكثير من الناس يصرّحون أنهم لا يلتقون إلا في زواج أو عزاء، أما ما بينهما فالمشاغل كثيرة، والتباعد حاصل، والمشاحنات الاجتماعية والسياسية، لشؤون داخلية أو خارجية أكثر من أن تعد، فهل نستكثر على أنفسنا أن نقتنص مناسبة لا تستمر أكثر من سويعات من نهار، أو ربما يوماً بأكمله لنرمم هذه العلاقات، ونزيّنها بما نستطيع، نبدع كثيراً في التأوّه على أعياد الكريسماس والسنة الجديدة، ونقول هذه هي الأعياد، بينما بإمكاننا أن نؤثث أعيادنا إن شئنا، وأن نثريها بالفرح والبرامج، كما كانوا في الماضي يلعبون عصراً العرضة والليوة في الباحات والبيوت الكبيرة، والنساء في العيد يلعبن “المراداة”، فقمنا مع الزمان بسلخ كل هذه المظاهر على بساطتها، وعلى تعبيرها العفوي السابق بهذه المناسبة، وجلسنا نتحسّر متسائلين: أين العيد؟

العيد لا يصنع الفرح ما لم نذهب إليه حاملين في داخلنا الفرح والسرور.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية