العدد 3530
الخميس 14 يونيو 2018
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
لكيلا تموت قبل الموت!
الخميس 14 يونيو 2018

كثيرا ما ترددت على مسامعنا عباراتٌ من مثل: أَخرِج الطفل الذي بداخلك! وهذا الرجل طفل لم يكبر! وأنا أشعر بأنني لا أزال طفلًا! وفي المقابل نسمع: متى ستكبر! لم تعد طفلا بعد! وكن رجلا، ولا تكن طفلا! وبين عبارات القبول بالحالة الطفولية، وبين استنكارها أو استهجانها لدى الكبار؛ هناك حقيقة يغفل عنها الكثيرون؛ وهي أننا كبشر، ونحن نمر بالمراحل العمرية المختلفة؛ بدءًا بالطفولة، وانتهاءً بالكهولة، لا نطرد الطفل بعيدا، أو نطرحه وراء ظهورنا؛ بغرض تجاوزه إلى المراهقة، فالنضج! فكيف ذا؟

دعوني أبسط الموضوع أكثر: لنتخيل أن الإنسان عبارة عن طبقات يقع بعضها فوق بعض، بذلك؛ تقع الطفولة في الطبقة الأولى؛ ثم تليها طبقة المراهقة، وهكذا حتى تنتهي إلى الأخيرة. إذ ذاك؛ هل تعتقدون أن الدخول في المراحل المتقدمة؛ سيلغي الطبقة الأولى؛ أي الطفولة؟ بالطبع لا! ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أنك وأنت تكبر، تجر معك المراحل السابقة، وتدفعها نحو المستقبل، ومهما كانت مرحلتك الحالية؛ فإنك لا تستطيع بأي حال من الأحوال إلغاء ما تقدم عليها، نعم؛ ستظهر الطبقة الأخيرة للعيان، وستمتثل للناس؛ على أنها واقعك الحالي، فإنْ كنت شابا؛ سيراك الآخرون كذلك، وإن كنت رجلا بالغًا؛ سترتدي زي البالغين، وتتصرف مثلهم. ولكن، هل مات الطفل - الطبقة الأولى أو ما يليها؟ بالطبع لا!

قد يحمل كلامي نوعا من الفلسفة، وهو كذلك، غير أن الهدف أنْ أُنبهكم إلى ذلك الطفل الجميل، الذي تحملونه معكم يوميًا، دون أن يترك له الكثيرون مساحة للظهور! الهدف أن أُذكركم به؛ فهو موجود داخل كل واحد منكم، غير أن الغالبية منا تقمعه! أَطلقوا الطفل الذي بداخلكم؛ فهو المسؤول عن مساحة الفرح الكبيرة، عن العفوية في الحياة، عن الجرأة والمغامرات، عن التعامل ببراءة دون كيد أو ضغينة، عن الأحاسيس والخيالات الواسعة، عن الإبداعات، عن التسامح، والصفو، والسلام، والكثير من النسيان، عن الدمعة التي تعقبها ابتسامة... إنه المسؤول عن كثير من السعادة؛ فأفرجوا عنه!

نعم، كبرنا، ودخلنا مراحل متقدمة على هذا الطفل؛ فنحن نمارس الكثير من المسؤوليات، ونتحمل الصعوبات، ونعيش التحديات بشكل شبه يومي، الكثير منا يعيل أفراد أسرته، ويعمل، ويكدح، وبعضنا يعيش أمراضًا جسدية مزمنة، وبعضنا الآخر يعاني الوساوس والقهر وأمراض العصر النفسية، وبعضنا يتعامل مع الحياة بجدية وصرامة، فلا يستطعم لها لذة، ولا يُرّوح عن نفسه؛ بنزهة أو سفرة، أو زيارة حبيب أو قريب أو...! الكلام يطول كثيرا، غير أن اختصاره الشديد جدًا: لا تقتل الطفل الذي بداخلك؛ لكيلا تموت قبل الموت!.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية