العدد 3502
الخميس 17 مايو 2018
المعسكر السنوي
الأربعاء 16 مايو 2018

لم أجد تشبيها معاصراً لشهر رمضان، أفضل من أنه معسكر تدريبي مفتوح، يمارس فيه المتدرب ما يمكنه من تمارين روحية، كما أن المعسكرات الرياضية أو ورش العمل، أو معسكرات الجنود تقام لفترة محددة معلومة من السنة، وذلك للشحن والشحذ وتقوية الهمم، وإعادة التذكير بالأساسيات، وما بعد الأساسيات، فإن هذا الشهر أيضاً هو كذلك، معسكر معلوم الابتداء والانتهاء، من دون مدرب، فلكل مشترك خطته التدريبية والتنشيطية الخاصة به، يطبقها كما يحبّ ويهوى، وفي النهاية سينعكس التطبيق عليه هو شخصياً، فما لأحد عنده من شيء، لأنه إنْ صدق، فإنه يبتغي وجه ربّه الأعلى، والمعسكرات فيها الصعوبة، وفيها بعض الألم، وفي نهايتها يفرح الذين يجتازونها بنجاح، كما يفرحون بعودتهم إلى حياتهم الطبيعية وإيقاعها، حاملين معهم ما استفادوه من هذه الدورة الكثيفة ليلا ونهارا، ليضيفوه إلى يومياتهم.

لكن هذا المعسكر ليس هكذا بالنسبة لكثرة كثيرة من المسلمين، إذ تحوّل من ورشة عمل، إلى مخيّم ترفيهي في معظم الأوقات، ومن استلهام الدروس، إلى تدريس العبوس نهاراً، وانفراج الأسارير مساءً، وما أكثر ما يخرج الناس، لو حاسبوا أنفسهم، من صيام حوالي 15 ساعة، بالجوع والعطش وحسب، ففي أثناء هذا “المعسكر” تجري الممارسات نفسها المشبوهة، والمرفوضة والمحرّمة، وتتراجع مهابة هذا الشهر، بأن الممنوعات والمحرّمات مرتبطة فقط بالنهار، وما إن يجنّ الليل حتى تنطلق شياطينهم بأقصى قوة وطاقة لتعوّض ما اجتهدوا لكبحه قبل سويعات.

هذا المعسكر ما عاد كما كان، وما عادت فوائده هي التي تم تشريع الصيام لأجلها، هكذا أهجس، وإلا لماذا يستمر الغشّ بكل أشكاله سارياً في معظم الحياة، من الغشّ الكلامي إلى السلع، إلى بيع المواقف؟ لماذا يستمر الكذب والزيف والخداع اثنا عشر شهراً في السنة، بما فيها شهر الصيام نفسه؟ لماذا تظل العزائم واهنة على الرغم مما يبشر به القرآن من نصر متبادل بين الله وعباده (إن تنصروا الله ينصركم)، وفي ذلك شكّ في ما يقرأه المسلم عن هذا الوعد الإلهي؟ لماذا يبقى التخلف سارياً ومستشرياً ومتصاعداً على الرغم من آيات الحث على التدبر والتفكر والعلم ومكانة العلماء؟ كيف يفسّر المؤمنون معنى الأخوّة في قوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة)، و”إنما” في اللغة العربية تفيد الحصر، بينما المؤمنون يضرب بعضهم رقاب بعض للشك في إيمان الآخرين، وما أكثر “الآخرين”، وإذا كان “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فلننظر إلى ما يفعله عدد من المسلمين أثناء صيامهم، إذ يعلقون على مشجب السهر وافتقاد المنبّهات والنيكوتين، وسلسلة من الأعذار المتهالكة؛ عصبيّتهم وضيق صدورهم، وكأنهم يمنّون على البشر صيامهم.

ترتفع “المظاهر” الإيمانية في الشهر المبارك، ولكنها على ما يبدو لا تمسّ “الجواهر” لأنه لا تغيّر حقيقي يحدث لا أُثناء، ولا عقب انتهاء الشهر... الشهر قائم، ولكن المغازي منه تغيّرت وتبدّلت.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية