العدد 3485
الإثنين 30 أبريل 2018
المسافة الفاصلة بين الدّاء ودوائه
الإثنين 30 أبريل 2018

في الحوار الذي استمتعت بإجرائه مع الشاعر البحريني قاسم حداد، والمنشور في العدد الجديد من مجلة “البحرين الثقافية”، طاف الحديث في الكثير من الأروقة، حتى استلفتني قوله: “أثناء تجربتي في ألمانيا والغرب، اكتشفت أننا لسنا متخلفين، بل إننا نتخلف، فلو كان العالم يتقدم ونحن في مكاننا لكان من السهل قياس الفارق أو الهوّة ومحاولة سدّها، ولكن العالم يتقدم ونحن نتقهقر، لذلك، كل جيل يرى أنه أفضل من الجيل الذي يليه، وأنّ الجيل السابق أفضل منه، فهذا الشيء غير صحّي، وغير إنساني...”.

ولو رأينا – حقيقة – هذا القول، غير المعقّد، والعميق في آنٍ معاً، سنراه يسري على الكثير من مظاهر حياتنا اليومية، بدءاً من الهيئة الخارجية للأشخاص، وانتهاء بأقصى مناطق ذواتهم وأفئدتهم، سنجد الكثير من الأشياء الجميلة بالأمس تتاحتّ اليوم، كما أوراق أشجار الخريف، والمصيبة ألا يعود إلى الأغصان الجرداء الخضار، ولا تورق من جديد، سنرى أن الكثير مما حققناه بالأمس من تقدم على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي حتى تم التراجع عنه بما يشبه الهروب من الإنجازات كما نهرب من الطاعون، نرى أن المجتمعات بالكاد تقدم نماذج جميلة وناصعة في العلوم والثقافة والفنون، نرى تقافز الأقزام وعلوّ الأصوات الفارغة، أما الأكثر امتلاءً فكرياً فهم أمام واحد من الخيارين: إما أن يسوّقوا أنفسهم لينافسوا “الفاشينستات”، حتى لو توجّب هذا الذهاب إلى الخفّة المفرطة، أو أن يقبع هذا النموذج في القاع يتآكله النسيان.

لو رأينا الأخلاق العامة في المجتمع كيف تتراجع ليس على شكل منحنى، بل منحدرٍ لا يمكن كبحه، أو كما يقول عامر جلال عن الشكليات منتقداً ظاهرة في مصر، ولها الكثير من الأشباه في الوطن العربي: “أصبح معظم سائقي التاكسي يشغلون القرآن، ولا يشغلون العدّاد”. إننا بالفعل بحاجة إلى إعادة نظر شاملة في وضعنا العربي من كل نواحيه ونوافذه، والأهم من ذلك أن يكون لدى الجميع، من الرسميين والأهليين، ما يبادروا لعمله من أجل تقليل هذا الامتعاض المتصاعدة أحماضه إلى الأفواه من الأوضاع التي نعيشها.

الكثير من عللنا تم تشخيصها عبر الورش والأبحاث الفردية والمؤسسية، والخطب والخطابات، ولكن كل هذا يبقى من دون إرادة واعية للتغيير، فلا أعرف شخصياً أمة غيرنا ترى علتها، وتعرف دواءها، وتبكي لأنّها لا تستطيع أن تقوم بالفعل الصحيح، ولو مرّة في تاريخها... مرّة واحدة وللأبد.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية