العدد 3423
الثلاثاء 27 فبراير 2018
الدكتورة الإنسانة
الثلاثاء 27 فبراير 2018

لم أعتد كتابة رثاء يوما لأي شخص فقدته ورحل إلى الآخرة، غير أنني لم أكن أتوقع أن أتأثر هذا التأثر الكبير حين تلقيت نبأ وفاة المرحومة، ابنة البحرين البارة، الدكتورة سمية الغريب إثر حادث مؤسف، تلقيت الخبر وأنا خارج البحرين ونزل علّي كالصاعقة، وفي الواقع أستغرب كثيراً من شدّة تأثري وحزني لفقدانها، فقد فقدت كغيري الكثير من الأهل والأصدقاء ممن هم أكثر قرباً منها، ولكن أقرّ بأنني لم أتأثر كما تأثرت لوفاتها.

أدركت سبب ذلك التأثر بعد فترة، حيث أيقنت أن الأخلاق الحميدة والطيبة والمعاملة وصفاء القلب والرقي في التعامل واللين في الحوار والنقاش وغير ذلك من الصفات الجميلة هي فقط التي يمكنها أن تترك تأثيرها في الآخرين، وعندما يتحلى الإنسان بمثل تلك الأطباع الراقيّة فإنه حينها سيضمن بقاءه في ذاكرة الآخرين. تعود معرفتي بالدكتورة سميّة إلى سنوات بعيدة، فقد تشرفت بمعرفتها وزوجها الفاضل الدكتور عبدالقادر المرزوقي في عام 1982م حينما كنت في زيارة سياحية للقاهرة وكان الاثنان يدرسان في جامعاتها، لا أنسى وكأن الموقف كان بالأمس القريب ولم يمر عليه 36 عاما، لا أنسى كيف كانت تعاملني بكل محبة واحترام، على الرغم من عدم معرفتي بها، حيث التقيت بها للمرة الأولى برفقة مجموعة من الطلبة الدارسين هناك عندما أصرّت أن تستضيفنا على «مجبوس» بحريني في محل سكنها.

تلك الابتسامة العريضة التي لم تكن تُفارقها حتى قبل مماتها، كانت عنواناً لشخصيتها الفريدة حيث الطيبة والخلق الرفيع، وجمعتني بها فيما بعد العديد من المناسبات العائلية، ودائماً كانت تشكرني لمبادراتي بجمع الأصدقاء.

من المواقف التي لا أنساها أنني كنت أقول لها إنك يا سمية سوف تتقاعدين مباشرة بعد الانتهاء من دراستك العليا والمتخصصة ولن يكون لديك الوقت الكافي أو العمر الطويل للعمل وذلك بسبب كثرة الدورات التي كانت تحضرها حيث إنني كلما التقيت بزوجها يخبرني أنهما عادا للتو من الخارج بعد دراسة تخصص معين، وبالطبع فإن ذلك كان من باب المداعبة فقط.

تمكنت من حضور مجلس العزاء في اليوم الأخير وكان صعباً علي بصورة لم أكن أتوقعها، فللمرة الأولى أدخل مجلس عزاء وأنا غير قادر على تمالك نفسي أمام زوجها وأبنائها. هناك أشخاص وإن رحلوا إلا أنهم يبقون خالدين في الذاكرة، وإن كانت لي أمنية فهي أن تقوم الدولة بتكريمها تكريماً يليق بها وبعطائها وجهودها الكبيرة التي بذلتها لخدمة مرضى الكلى في مملكتنا الغالية، فمن حق أبنائها وزوجها أن يفخروا بها. الموت حق ولا مفر منه، قال تعالى «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (العنكبوت 57).

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية