العدد 3422
الإثنين 26 فبراير 2018
أربعة رجال... وشاهد
الإثنين 26 فبراير 2018

في مطعم فندق في إحدى العواصم العربية، اخترتُ طاولة صغيرة بالقرب من النافذة لأتناول طعام الغداء، كانت قائمة الطعام محدودة ومحددة سلفاً، ذكرتني بالنظم الصارمة للمؤسسات العسكرية، أو ما كانت تقدمه كافتيريا “بابكو” أيام ما كان والدي، رحمه الله، يعمل فيها... في الطاولة القريبة مني جلس أربعة رجال في منتصف العمر، ما عدا أحدهم يبدو في النصف الثالث من عقده الثالث، وكانوا يتحدثون بلا توقف ولا استراحة، وربما قاد أكثرهم قدرة على الكلام والإقناع، نهر الكلام، كان الكلام كله، منذ أن جلست، وأخذ النادل طلبي، وتأخّر الطبق الجانبي، ثم تأخر الطبق الرئيسي حتى قررت مغادرة المطعم غاضباً، يدور حول موضوع واحد: الهجرة!

كان الأربعة يتبادلون، بحماس لا نظير له، معلومات عن كيفية الهجرة، وأسهل الدول اشتراطات، وكيف يمكن “التحايل” على بعض الأنظمة والقوانين للتظاهر بأن هجرتك مقابل حياتك، وما الأوراق المطلوبة في كراكاس، وما الذي تقدمه أثينا، وهل مازالت ألمانيا عند وعودها، وكيف السبيل إلى بلوغ إيطاليا، والاتحاد الأوروبي وما يمكنه أن يطور من قوانينه، وماذا فعل السابقون من ممارسات ربما أثرت على اللاحقين، وأيّ البلاد التي يمكن فيها للمهاجر العمل بسهولة، وماذا عن الأولاد ومدارسهم، والنساء وولاداتهن، وتسجيل المواليد، والمبالغ التي تتم بها الإجراءات الرسمية، والأخرى غير الرسمية كالتنقلات، وقيمة المبيت في النُّزُل الصغيرة ريثما تتم الأوراق الثبوتية... كمّ كبير جداً من المعلومات التي ربما لا يناقش فيها أحدُهم أحدَهم، ولا أحد يعترض على كلام الآخر، وكأنهم كانوا يراجعون معلومات حفظوها عن ظهر غيب، إذ يبدو وقتهم محدوداً لاتخاذ خطوة بالهجرة، ويعرضون كل ما يعرفونه عن اشتراطاتها.

إنها ليست حالة الرجال الأربعة بلاشك، بل هي حالة شبه عامة، كانت موجودة في البلدان العربية منذ عقود مضت، ولكن وتيرتها ازدادت في العشرية الثانية من هذا القرن، إذ زادت الأوضاع الاقتصادية المتردية من توحّش الأنظمة، بعضهم أخذ يسارع في النهب كأنه يريد جعل البلاد صفصفاً ويهرب، وبعضهم أعمل القتل والتنكيل بأبناء بلده... الأوضاع، للأسف الشديد، تتداعى في أركان الوطن العربي، وإذا كنا نتهكّم على أوضاعنا بأننا نسهم في الحضارة بأن تجد من يستهلك ما تنتجه، ولولا استهلاكنا لما سعت إلى المزيد من التطور؛ فإننا نوشك ألا نستطيع حتى الاستهلاك، لتردّي الحالة الاقتصادية للكمّ الأكبر من هذه الدول، وتربّع البنك الدولي في غير بلد ليفرض شروطه بشدّ الأحزمة والضرائب ومسّ لقمة العيش، ومصّ دماء الأفراد، والنتائج ذاتها: حنق أهلي، تململ، انفجار شعبي، قمع عام، يأس وقنوط، وتطلع إلى الهجرة، حتى لو لم يكن المرعى الآخر أكثر اخضراراً.

أخيراً جاء طبقي، وما إن بدأت الأكل حتى ناديت النادل، وبأقل عدد من الكلمات أشرتُ إلى شعرة في الطبق، وتركت المطعم حانقاً لمجرد شعرة، أفكر في أسباب قرف الناس من بلادهم ليغادروها بدورهم.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية