العدد 3421
الأحد 25 فبراير 2018
مجلس الرئيس .. الاستثمار في التراث
الأحد 25 فبراير 2018

كان يوم جمعة، رغم ذلك لم يخلد سموه للراحة، لأنه مؤمن بأن العمل عبادة، وأن قيادة الأوطان خدمة وريادة.     

رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان حفظه الله ورعاه، يستبق الجميع إلى سوق البسطة التراثي، يتفقّد أحواله، يلتقي نساءه ورجاله، يتحدث مع الأسر المنتجة، كيف أنها تستطيع تحقيق الكثير لبلادها، وكيف أنها بحسّها الوطني الرفيع يمكنها إضافة معدل دخل تراكمي يفي بالاحتياجات، ويغني عن العوز والإعانات، ثم كيف أن إنتاجها بحفظ هوية البحرين سليمة معافية، ويفتح مجالاً جديدًا للاستثمار في التراث، وتنويع مصادر الدخل، والنهوض باقتصاد الوطن عن طريق تحفيز الإبداع الفردي، وتأطير الإنتاج الجماعي للأسر والعائلات.

لقد انتعشت الدول القديمة، وازدهر اقتصادها، وتجلت حضاراتها عن طريق خدمة الفرد لوطنه، ومن خلال تعظيم إبداعاته في مهنته، وتنظيم إنجازاته في صون تراثه وتاريخه ووحدته. إن الحضارات البازغة لم يتحقق لها ذلك لمجرد أنها امتلكت أموالاً في حساباتها المصرفية أو في صناديقها الاستثمارية، أو أنها اختزنت ثروات في باطن الأرض، أو أقمارًا عابرة لعنان السماء، أو حتى لأنها أصبحت مستوردة للتكنولوجيا أو راصدة لمعدلات استهلاكها في المصانع والمنازل والمؤسسات، إن الدول المتقدمة هي التي تعتمد على عمود الدولة الأزلي وهو الإنسان، هي التي تطور مهاراته، وتعزّز قدراته وتمنحه طاقة حركة أقدر على مضاعفة إمكاناته، وتشجيعه على الإنتاج النوعي، والإبداع القيمي، والخروج من الصناديق القديمة للانكفاء إلى الآفاق الرحبة للإبداع، هذا في حدّ ذاته غيض من فيض على طريق الألف ميل وقشة عنيدة في مضامير البذل والعطاء، الخير والنماء، صون التراث، وحماية الهوية، حفظ الذاكرة والاستثمار في الإمكانية.

هنا يتحقق للوطن ما يريد، ويكتمل لمنظومته الإنسانية البعد الرابع المهيئ لذاكرته الأبدية، وهنا يمكن أن تمر الأزمات بسلام وأمان، وجسور الخطر بكفاءة والتزام.

سوق “البسطة” شأنه في ذلك شأن أية بورصة تلقائية، منظمة للأسر المنتجة، تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالجهد الذاتي لمعاول التنمية الاجتماعية، وبالعمق القادم من أبسط المواد ليحقق مردودًا مثاليًّا للوطن والإنسان. إنه الاقتصاد الفردي القائم على القدرات الخاصة، والتنويع الحرفي المعتمد على المواد المحلية، والمواد المتاحة وتلك التي في متناول اليد. لذلك عندما يذهب الأب الرئيس إلى تلك الأسواق، ويشجع على إقامة المزيد منها، ثم يوجّه الأجهزة المعنية بتوفير الدعم اللازم لها فإن سموه بذلك يكون قد وضع الحصان أمام العربة، والنظرية في قلب التطبيق، حيث إن العين الفاحصة للاقتصاد القادم من البيت إلى البيت يمكنها أن ترى على البعد كل الفرص المواتية وهي تتهادى بروية كي تصنع المستقبل للأجيال وكتبة التاريخ.

اقتصادنا بخير، ومواطنونا بألف خير، طالما أننا نعتمد على أنفسنا، وأننا نفهم أن التنمية المستقلة ليست شعارًا مقلوبًا على جدار، أو حصانًا معطوبًا على رقعة شطرنج، لكنها في جميع الأحوال، حالة أخرى من الإبداع المبني على قدرات إنسانية خلاقة، وليس على حاويات تنتظر الإفراج الفوري في موانينا، ومطاراتنا وحدودنا التواقة.

إن رئيس الوزراء حفظه الله ورعاه، لا يتحرك نحو مشروع إلا إذا كان في حركته هدف أسمى، رغبة أكيدة في سبر أغوار مجهولة، وكشف أنفاق مأهولة بالخير والإنتاج والوفرة. “البسطة”، بسيطة في كينونتها كبيرة في مكانتها، فالقليل المستمر منها ومن مثلها خير من كثير منقطع من دونها أو غيرها.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية