العدد 2823
الخميس 07 يوليو 2016
كثر الهرج والمرج
الخميس 07 يوليو 2016

أنباء الأسبوع الأخير ما كانت تشي بأننا نتقدم بالشكل المطلوب للخلاص من تنظيم “الدولة”، وإن كان بعض المحللين الاستراتيجيين يرون عكس هذا. إذ إن التفجيرات الآثمة التي طالت الكرّادة العراقية، والتفجيرات شبه المشلولة التي كادت تطال القطيف وجدّة، وما انتهى إليه التفجير الإجرامي الذي وقع في الحرم النبوي الشريف، يراها البعض عنفوان التنظيم، ويراها البعض ترنّحه وعدم قدرته على التركيز، ومحاولة تشتيت الانتباه عن خسائره التي يمنى بها على الجبهتين العراقية والسورية، لتخفيف القبضة المبطقة على عنقه، والتحليلان لهما قدر من الوجاهة، ولهما قدر من الأهمية، ولكن ما الأهمية الحقيقية لأي تحليل مادام الهرج والمرج هما سيدا الموقف في كل مكان.
لقد كان للأمان الساحات الأكبر من أوطاننا، وللأخطار بؤرٌ صغيرة، يكفي أن يتجنبها المرء ليحيا بسلام، وأن الذهاب إليها يعد نوعا من المخاطرة والعته، ولكن ما يحدث اليوم يراد منه القول إنه لا مكان آمن، حتى بيوت الله التي جرى تفجير شيعيّها وسنّييها، والتي تستهدف من التكفيريين والمناوئين لهم من القوات الأجنبية والرسمية في بعض البلاد تحت حجة الاحتماء ببيوت الله حيث يجري التردد مرات قبل قصفها، ولكنها باتت أول ما يُقصف اليوم في الغارات المجنونة، بحجة التمترس، واستخدامها مخازن للأسلحة، وغيرها من الحجج، فلا ملجأ لأحد اليوم ولا أمان. كأن بكل القوى المتصارعة رأت أنها مادامت تفتقد الأمان والراحة والتأمين على الأهل والأطفال، فلماذا يعيش آخرون في بحبوحة من الرغد الذي أساسه الشعور بالطمأنينة والأمان على النفس والآخرين، لذا صار الإرهاب غير موجه أو مستهدف لجهة أو فئة أو منطقة، بل صار أقرب ما يكون بالقنابل العنقودية التي تتطاير على مساحات كبيرة من دون تحديد، إذ ليس مهماً التحديد مادامت كل أرض ميدانا، والهدف كل إنسان.
من يراقب تطورات الصراع القائم بين التنظيمات الإسلاموية المتشددة، والقوى المناوئة لها يدرك بما لا يترك للمراجعة محلا، أن ما يراد للمنطقة أوضح من أن يعاد تفسيره بالكلام المغلف. فتنظيم الدولة مهما علا شأنه، وتراصّت صفوفه ليس أقوى من الجيوش النظامية التي جرى سحقها وتهشيم هياكلها ومحوها من الوجود في عدد من المرات منذ 2001، وفي أكثر من بلد، فلماذا نجحت الإرادة الدولية هناك وفشلت هنا؟ لماذا كان التصميم أكبر، والجهد أسخى والعمليات العسكرية أكثر توجيها وإيلاماً وتدميراً في منهجية واضحة للانتهاء من هذه الهجمات في مدى زمني معلوم، بينما نجد محاربة عدة آلاف من المقاتلين – مهما قويت عقيدتهم القتالية، ومع كل هذه الحشود – لا يزال لم يحقق سوى “دعم” للقوات الرسمية على الأرض لكي تخطو خطوات، والقوات الرسمية ومن شايعها من مقاتلين ليسوا منزّهين عن رغبات في الانتقام وردّ الصاع والصفعات، فالأهداف لا تزال رجراجة، وكل هذا من أجله أن يطيل أمد الحرب، أي يطيل الاستنزاف، ويؤخر جهد إعادة تدوير العجلات إلى الخلف حيث إزاحة ركام الدمار الذي يتسابق عليه كل المتصارعون: من يدمّر أكثر، ويسوّي البيوت والعمارات وكل ما هو قائم على الأرض بالأرض، بما فيها من بشر وحجر، لتحويلها إلى مدنّ يطنُّ فيها الذباب، وتموء فيها القطط، وتعوي فيها الكلاب، ويطوف بها طائف من جوائح الأمراض الناجمة عن انتشار الجثث، وموت الأطباء قتلاً بكل ما أوتيت القذائف من حرارة تصهر الفولاذ وتبخّر الأرواح.
القوى الظلامية الشريرة تفقد قدرتها على السيطرة على نفسها وعلى مشروعها، حيث صارت مشاريعها أكبر منها، وصارت هي التي تحرّك هذه القوى، اتسع المدى أمامها وليس لديها الخطط البديلة، لا نعرف ما مشروعها التنموي؟ كيف يمكنها أن تدير علاقاتها الخارجية مع العالم؟ وكيف يمكنها أن تنهض بمجتمعاتها؟ نعم لديها اليوم أشكال أولية أو لنقل بدائية من التنظيم وهذا يمكن أن تقوم به جماعات مهما كانت قليلة التعليم، ولكنها أمام تحديات أكثر تعقيداً لصدّ الفيوض الفضائية عن سماواتها لئلا تتلاعب بعقول أبناء دولتها. بدا الداعشيون منتشين بالغنائم والأسلاب، أطفال أعطوا أسلحة حديثة فتاكة، فتنتهم قدرتهم على إخضاع الآخرين وتحديد الأنصبة من السبايا، ولكن، الداعشيون اليوم عالقون في منتصف الطريق، فلا هم الذين يمكنهم أن يعودوا إلى الوراء ويعلنوا فشل التنظيم، وعفا الله عمّا سلف، فليس ما سلف قليل أبداً، ولا يمكنهم المضي في مشروع صار واضحاً أنه حصان طروادة الرسمي والشرعي لتصحو دول المنطقة على فقر عام، فقر في الوعي والمال والبشر والبنى التحتية والتطور والعلم والثقافة والفنون، لأنها بذلت نفائسها في قتال غير متكافئ، فليس عليهم إلا أن يحلموا أن يكون تحت كل قدم في المنطقة لغم، وفي كل زاوية قنبلة، وحول كل وسط حزام ناسف!
الهرج والمرج يسود ويقوى عوده، ولا يظنن أحد أن “داعش” هو الشر الوحيد والمطلق، وأن “داعش” رجل أو كائن أو حتى دولة، ما إن يجري القضاء عليها ستقرع الكؤوس إيذاناً بالاحتفال بالانتهاء من المعركة، لأن “داعش” ومن قبله “القاعدة” ومن قبله “الهجرة والتفكير”، وغيرهم وغيرهم، هم أبناء اليأس والكفر بالحلول التي لا تأتي، وبالكرامة المنسحقة ذات الثقوب التي لم تبق من شكل الثوب الذي نستتر به شكل الثوب. ليس من كبير جدوى التفذلك بالقول إن هذه الدولة أو تلك وراء هذه التنظيمات المرعبة على اختلاف تسمياتها ووحدة أهدافها، فالزروع تحتاج الجذور، والجذور تحتاج البيئة أو التربة التي تنغرس فيها، بيئة حاضنة للإرهاب تسودها الكثير من العوامل التي تجعل الموت مقدّماً على الحياة عند هذا النفر من الناس، ويستعان على ذلك بالنصوص المؤيدة لما يذهبون إليه، بتفسيرات تناسب توجهاتهم المريضة.
سيتبرعم حاملو هذه الأوهام من جديد، سيعيدون تنظيم أنفسهم، سيفاجئوننا أيضاً وأيضاً من حيث لا نحتسب، وحيث لا نتوقع، سيوجعون قلوبنا ويدمونها، لن ينتصروا أبداً ولن ينالوا سرابهم، ولن نتغلب عليهم إذا لم نقلب التربة، ونعيد تسميدها من جديد وتهيئتها لنبت آخر.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .