العدد 2813
الإثنين 27 يونيو 2016
رزق لراسمي الخرائط وخياطي الأعلام
الإثنين 27 يونيو 2016

تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي قبل أيام قلائل، لم يذكر إلا بمن يطلبون الانفصال الزوجي، إذ في الحياة الاجتماعية هناك الكثير في الكفتين السلبية والإيجابية، وفي لحظة ما يقرر الاثنان الاكتفاء بالعيش معاً، ويقرران الانفصال، وبعدها، يدخل المطلقان (عادة) في حالة نفسية من الحزن والبؤس والخواء، وربما مشاعر مختلطة من الندم والتسرع، وأن هناك ما هو جميل في الحياة المشتركة، وأن لو بقي الاثنان معاً لكان أفضل ربما، فلا أحد كامل الأوصاف إلا في أغنية عبدالحليم حافظ، وأحياناً يحتاج البعض مراجعة متخصصين في الطب النفسي المتخصص في مثل هذه الحالات لتجاوزها واستعادة التوازن من جديد، والمضي في الحياة. لأن الكثير من التعليقات والتقارير التي تابعناها معاً تشير إلى الوجوم الذي سيطر على شريحة كبيرة من البريطانيين، على الرغم من أن بعضهم كان ممن صوّت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكنه ربما صحا في اليوم التالي وهو يقول: “رباه.. ماذا فعلت البارحة؟!”.
يبدو أن الجانب العاطفي لم يعد وسماً وقصراً على الشعوب الشرقية، فحتى الشعوب الغربية لديها هذا الحسّ على الرغم مما يشاع بأنها شعوب عملية، وربما يبالغ البعض ليقول لا قلب لها، على الرغم من أن قضايا إنسانية كثيرة تشير إلى العكس تماماً، وتقول إننا بتنا أقل إنسانية وتعاطفاً. أقول هذا لأنني كنت أعتقد أن الحنين إلى الوحدة هو شغل شاغل لنا منذ مشاريع الوحدة العربية التي فشلت على مستوى الدول في معظمها، إلا في نموذج الإمارات العربية المتحدة، الذي لا يزال قائماً، وفي منظومة مجلس التعاون الشبيه بالاتحاد الأوروبي إلى حد ما، بينما سلسلة الـ “الفزعات العربية” للوحدة والاندماج كلها آلت إلى الفشل الذريع، والموت السريري في معظم الأوقات، من دون الإعلان عن ذلك حقيقة.
ينتابنا قلق من مشاريع تقسيم العراق، وتقسيم لبنان، وتقسيم سورية، ورغبة جنوب اليمن بالانفصال عن شماله، وهي المشاعر ربما ذاتها المتسمة بالعاطفة الجياشة حيال تفتت بريطانيا العظمى، إذ تفكر أسكتلندا اليوم بمعاودة الاستفتاء على الانفصال، وأيرلندا الشمالية تتجه إلى التفكير ذاته، إلى جانب دعوات لم تعد خجولة تقول الشيء نفسه لبعض ولايات الولايات المتحدة إذ إنها تشعر أن الفيدرالية الأميركية عبء عليها، وأنها لو كانت وحدها لكان أداؤها أفضل حالاً من وجودها ضمن المنظومة الأميركية.
هناك شعور جمعي اليوم يشير إلى أن ما جرى في بريطانيا على مستوى استفتائها بشأن بقائها في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه، والرضوخ إلى النتيجة التي آل إليها الاستفتاء، سيفتح الأبواب مشرّعة أمام مشاريع مشابهة كثيرة في دول متعددة من العالم. فالمملكة المتحدة لا تزال – مع كل التراجعات في المكان والمكانة والقوة والنفوذ والاقتصاد... الخ منذ الحرب العالمية الثانية - تشكل رمزاً للعراقة، ومدرسة لا تبارى في الدبلوماسية والأعراف الراسخة والجاسوسية والمكر والدهاء، حتى قال عنها الملك فاروق، فيما يرويه عنه الممثل حسين فهمي، في نهاية المطاف سيبقى خمسة ملوك في العالم، أربعة في ورق اللعب (الكوتشينة) والخامس ملك بريطانيا، لذا فإنها العجوز التي لا تزال تحمل بقايا جمال مهيب، وهي أحد أهم الجذور التي يريد الكثير أن يدنوا منها بنسب، فإذا ما انهارت هذه المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، فأي رمز ومثل ونموذج سيبقى بعدها؟ فهذا التفتت يقود اليوم فرنسا للأخذ به من قبل اليمين الأوروبي المتطرف الذي صعد نجمه بقوة وسرعة في السنوات الأخيرة ردّاً على “الرّدح” بأسلمة أوروبا نتيجة الهجرات من الدول الإسلامية، والإفراط في التكاثر.
ومع ذلك، فهل كل المشاريع الوحدوية ناجحة حتماً؟ في العام 2014، قرأت في إحدى الصحف المصرية موضوعاً عن كيف تتجه الدول العربية إلى التفتت والانفصال، وكيف تتجه دول العالم إلى الاتحاد والتقارب والتنسيق، وكنت قد قصصت هذا المقال من الصحيفة وأنا على مقعد الطائرة، شاعراً بنظرات غضب وانزعاج بعض المسافرين الذين أقلق صوت قطع الصحيفة نومهم العميق، على أمل أن أستعين بالمعلومات المهمة والتاريخية الواردة فيه لكتابة مقال، ولكنني تذكرت أن مشاعر الألم ذاتها كانت قد انتابتني وأنا أرى جنوب السودان ينفصل عن شماله، إذ علينا أن نودّع تلك المعلومات الجغرافية التي درجنا عليها بأن أكبر بلد عربي من حيث المساحة هو السودان، حتى لقيت سودانياً وأبديت له مشاعر الحزن والأسى كمن يعزّيه بوفاة قريب، فهوّن الأمر عليّ إذ قال إن السودان لم يكسب من الجنوب سوى الحروب والنزاعات، فإذا كان هذا الجزء من الوطن مريضا، فبتره أولى من التمسك به مهما كان الثمن بحجج عاطفية، وحتى لا يزعل التاريخ، ولا تتوجع الجغرافيا.
لم أبتلع هذا المبرر وإن أتى من أهل الدار، إذ لا يزال في قاع نفسي أن “الاتحاد قوة” و “الوحدة خير من الوَحدة”، والعصي اللاتي تأبى تكسّراً وإذا افترقت تكسّرت آحادا، ولكن على ما يبدو فإن الإرادة العامة في العالم اليوم تسير إلى المنافع المباشرة بعيداً عن هذه الشعارات. هذا الأمر إذا ليس مؤامرة كونية على “شرق أوسط جديد” هذه المرة، فلقد انقلب السحر على الساحر، وصار تقسيم العالم الجديد، لصالح “الحكومة الخفية”. فالدول يبدو أنها شبعت وتشبّعت من اجترار العشب نفسه على هذا الجانب من الوادي، فلم لا تجرّب العشب في الجانب الآخر لعله أكثر اخضراراً، وإذا لم تفلح المحاولات يمكن إجراء استفتاء آخر والعودة إلى كل البلد، أو جزء منه، فلا شيء مقدّس، والقبض بيد مطبقة الأصابع على الحدود القديمة والتراب الوطني قد تراخى منذ أن دخلت الشركات العابرة للقارات إلى البلاد وتلاعبت في قوانينها، وصار المال هو المحرّك الأساسي للدول والحكومات التي استقتلت على جذب الاستثمارات الأجنبية بكل الوسائل، وميّعت لها جميع القيود أو أكثرها، وصار المال حكومة الحكومات، فلا عجب أن تتغير اليوم الكثير من المعلومات، وتزداد الأعلام، وتغصّ الأمم المتحدة بممثلي الدول، وينتعش سوق رسامي الخرائط.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية