العدد 2796
الجمعة 10 يونيو 2016
سنة ستان وشيعة ستان في الفلوجة
الجمعة 10 يونيو 2016

في عام 1941م، فرضت بريطانيا سيطرتها على العراق، بعد أن احتلته قواتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى وقامت بعزل العراق عن الدولة العثمانية؛ وكانت تعتبر الفلوجة معبرا واستراحة، وحينها حاولت قوات الاحتلال البريطاني دخول الفلوجة لتأديب المقاومة التي بقت رافضة الاحتلال، فواجهت دفاعا مستبسلا وشرسا من أهلها وهزمت بريطانيا شر هزيمة في الفلوجة. ولم يكن هناك تنظيم داعش، وفي 2 أكتوبر 2004 قام رجال المقاومة في الفلوجة بإسقاط مروحية شينوك أميركية وأدى سقوطها إلى مقتل 16 جنديا أميركيا وجرح 26 آخرين، ولم يكن هناك داعش.
وفي 31 مارس 2004 نشرت وكالات الأنباء العالمية مقتل أربعة من حراس وموظفي شركة بلاك وتر الأميركية، وقال عنهم اهالي الفلوجة انهم ضباط من الـ cia وتم سحل جثثهم في الشوارع وحرقها وعلقت الجثث فيما بعد على جسر في أطراف المدينة يطل على نهر الفرات، ولم يكن هناك داعش! فجن جنون أميركا وهجمت بقوات النخبة الأميركية وقوات من المليشيات العراقية يقودهم حينها أحمد الجلبي فهزمت شر هزيمة، وفي 2007 حاول الأميركان احتلال الفلوجة من خلال عناصر من القاعدة تعمل لصالح المخابرات الأميركية ولم تنطل هذه اللعبة فحررت الفلوجة منهم بعد دخولهم المدينة وهذا هو ثأر أميركا وأيضا ثأر بريطانيا وهزيمتها، أما ايران فذاقت الأمرين من تلك المدينة فهي التي تقع غرب بغداد وتبعد فقط 50 كيلومترا عن العاصمة وتقع أيضا على الخط السريع الذي يربط بغداد بالأردن وتسمى مدينة المساجد حيث يوجد فيها 255 مسجدا وأيضا تعتبر الفلوجة معقل ضباط الجيش العراقي السابق الذي جرع السم لإيران في حربها ضد العراق لمدة ثماني سنوات، وأيضا تعتبرها مقر العمليات وأيضا تعتقد ايران ان نائب الرئيس العراقي عزت الدوري هو من يقود المقاومة من هناك لذلك أصبحت الحرب على الفلوجة كحرب عالمية على دولة عظمى تستخدم فيها الأسلحة في الجو والأرض، فهل يعقل أن مدينة لا تتجاوز مساحتها 20 الى 25 كيلومترا تتجحفل على تخومها كل تلك الجيوش العسكرية؟
سادتي: يقول جيفارا (المدن الثورية أحيانا تمسح عن الوجود بسبب حلمها المفرط) وهذا ما حصل في تكريت واليوم في الفلوجة وفي مدن غرب العراق وفي التاريخ دلائل كثيرة على ما اقترفته أميركا، فعندما جاء كاسترو بعد إزاحة (باتستا) عن سدة الحكم، كانت النقلة التي حركت الثورة الشعبية في كوبا، وكان لابد من التحول الذي يؤدي الى طرد كل الشركات الأميركية في بلادهم فالحقد الأميركي جعل كوبا محاصرة لعدة قرون، فالحقد الأميركي لا ينتهي أبدا، وعندما احتلت أميركا وإيران العراق وهجمت على الفلوجة اصبح صباح الفلوجة يؤذن صبرا ومفخخات وبائساً ينتظر شهادته، أما في أميركا، الصباح يسأل زوجة أوباما: متى نحتفل بعيد ميلاد زواجكما!  لقد أصبح الوضع رهن الواقع الذي تحاول أن تفرضه أميركا وإيران والمليشيات العراقية وهو تقسيم العراق الى سنة ستان وشيعة ستان وكردستان، ولكن الفلوجة أوقفت المشروع التقسيمي والأهالي المحاصرون منذ ستة أشهر، لقد أصبحت الفلوجة آخر الحصون ليس بالعراق فقط بل في المنطقة لأنها المعبر الى المشروع الأكبر لأميركا وإيران. سادتي وأنا أكتب هذا المقال تذكرت الكاتب موليير الذي ولد سنة 1662م، انتقد هذا الكاتب رجال الدين الذين كانوا يمارسون العمل السياسي وأوضح للعالم فسادهم حتى أصرت الكنيسة على عدم عرض مسرحياته، ومن جهة اخرى كان موليير واضحا في رؤيته للمأساة الكبيرة في الحياة البشرية من خلال الالتقاط الواعي لأحاسيس الناس ومشاعرهم، وكان يريد إسعادهم وإضحاكهم وهو يخفي عنهم تعاسته وحزنه، وهذا أعلى درجات الانتصار على الألم واليأس.
ماذا لو عاد موليير للحياة وزارنا وشاهد وضعنا البائس المضحك المبكي! من المؤكد انه سيمزق مسرحياته ويبدأ يكتب من جديد عن صمتنا على جرائم الفلوجة وتسليمها للدواعش الحقيقيين من أميركا وإيران. الفلوجة ستبقى صامدة برجالها كما كانت في التاريخ ولا تحتاج الى نوح دون فعل.
 

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية