العدد 2781
الخميس 26 مايو 2016
من أين نبدأ الحكاية؟!
الخميس 26 مايو 2016

عندما كان أستاذ الأدب المقارن في جامعة البحرين الدكتور محمد ديب يلقي محاضراته في الثمانينات، استوقفته ذات درس وسألته: “كيف يمكن للمرء أن يتخصص في الأدب المقارن؟”، فقال: “بأن يجيد أكثر من لغة، ولكن في الأساس أن يجيد لغته الأم التي ينطلق منها إلى تعلم اللغات الأخرى”.
في الوقت الذي بات فيه من نافلة القول إن الوصول إلى العالمية في الأدب يبدأ من المحلية والانكباب عليها بصدق ووعي وانغماس، هو الذي ينقل المبدع الأدبي إلى العالمية، لا أن يتمسح بآثار العالميين البعيدة عنه، ويتبع سننهم، حتى إذا ما دخلوا جحر سنجاب دخله وراءهم وهو لم يره إلا في قصص الأطفال والرسوم المتحركة.
هذا ما حضرني وأنا أٌقرأ منذ أيام قلائل تحذير سفير مملكة البحرين في جمهورية مصر العربية الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة، في الكلمة التي ألقاها نيابة عن الدول العربية في اللقاء المشترك الذي جرى في القاهرة مع سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، إذ قال: “إن ترك القضايا العالقة في منطقة الشرق الأوسط دون حل دائم وشامل، يجعلها – بمرور الوقت أكثر تعقيداً، وأكبر كلفة وتتخطى تداعياتها حدود تلك المنطقة للعالم بأسره”.
هذا التصريح الواقعي يدعو دول العالم للتكاتف مع الدول العربية الشرق أوسطية لمحاصرة القيح الطافح من الأمراض النفسية والتكوينية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية، والذي بدأ يتململ في الداخل، ويضرب يمنة ويسرة، ويكسب الأصدقاء والموالين، ويتجه إلى التوسع والتمدد. إنه السرطان الشره الذي لا يتوقف عند حد، الذي يتغذى على العائل (المجتمع) حتى ينهش قواعده فيكون مستعداً أن يخرّ من عليائه متهاوياً إلى القاع عندما يمر عليه النسيم، إنها الرغبة العمياء في السيطرة والهيمنة، وهي تعلم علم اليقين أنها لن تستطيع بسط سلطانها على المجتمعات، ولكنها تفعل ذلك عنوة بدواعٍ انتحارية محضة لا يمكنها أن تتوقف عند حد، يحركها اليأس، وانسداد الأفق أمامها، وعدم وجود مشروع تنهض عليه هذه القوى المتطرفة، إنما أملها ينتهي في الحصول على حكم مؤقت، على منطقة منعزلة، وفي قرارة نفسها تعرف أن ليس لها أبعد من هذا الأمل قبل أن يبدأ إجلاؤها، أو تصفيتها، جماعات من البشر ذات الأدرينالين المتدفق دوماً، العضلات المتصلبة دوماً، الأعصاب المشدودة دوماً، فأية أمة أو دولة، بالله، يمكنهم بناؤها بهذه المخيلات المريضة ذات التوتر العالي؟
عندما تتشبع الأراضي الطاهرة من دماء الإرهاب، تبدأ الأيادي الآثمة في التمدد إلى الخارج، وتبني لها منصات هنا وهناك، وتتسع الدوائر حتى تقف الأنظمة والدول لا تدري من أين تبدأ القصة، وما الرأس التي عليها ضربها حتى يتلوى جسد الحيّة متهاوياً.
قيل إن الفقر والجوع والجهل هي من أسباب التطرف في مظاهره الحالية، فرأينا من بين المتطرفين المتعلمين، ورأينا الميسورين، ورأينا أصحاب الفكر، ورأينا ذوي الشهادات العليا، ورأينا “الماجنين” بالأمس في مقاييسهم، وقد أتوا نادمين يخضّبون لحاهم بدموعهم ندماً على ما أسرفوا في أيامهم الخالية.
قيل إن الفراغ المؤسسي في عدد من الدول هو الذي ينتج هذه الجماعات حتى يجري سد الفراغ، أو القفز عليه، أو التكاثر تحت جناحه وبعيداً عن صرامته وقدرته على إدارة الأمور. ولكن أرقاماً نشرتها سي إن إن العام الماضي تشير إلى أن 5480 داعشياً يأتون من أوروبا الغربية ومن أبرز دولها: فرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وبلجيكا، وتركيا، وهذه بلدان بالغة النظام، ونظامها المؤسسي قوي متماسك، وتعليمها متقدم، و1500 من روسيا، 550 من الصين وأستراليا، وجميع الدول المذكورة المنتقاة لا تسمح بمظاهر التطرف أو التعامل معه، ولديها مؤسسات قارّة ومتينة البنيان، فإن خرجت منها كل هذه الأعداد المتطرفة من البشر، فعليها أن تسائل نفسها أين كانت في غفلتها عن هؤلاء الذي خرجوا تحت عباءتها من دون علم منها؟!
ليس سرا القول إن رؤوس الإرهاب ومصانعه تبدأ في الغالب من داخل الدول نفسها، بل من الإجراءات المضادة للإرهاب والمكافحة له، وهي تتعامل معه بالأنماط القديمة ذاتها: السجن والسحل والضرب والتعذيب والإهانة وكسر الكرامة، حتى تتثبت في المناهض المزيد من أوتاد الكره والرغبة في الانتقام. لذا ما إن تنتهي مدة محكوميتهم حتى تجدهم قد خرجوا أشرس مما كانوا عليه بالأمس، تضاعفت رغبتهم في الانتقام، وتأكدت أفكارهم بكفر المجتمع الذي لم يتعاطف مع إنسانيتهم المهدورة، وكرامتهم المبعثرة.
إن الاجتماعات والتحالفات لا تأتي إلا على الطرائق التي تجري بها العمليات العسكرية لتصفية القواعد الظاهرة للإرهابيين، بينما الجذور الغائرة، والشرايين الضاربة في الأنفس والوجدان، والتي استطاعت أن تعزل الواحد منهم عن محيطه ومجتمعه وتلحقه بتلك الطغمة، من لها؟ من يدرس الجذور الحقيقية لهذا الإرهاب الذي يجوس خلال الديار؟ الأمر ليس بالسهولة والسطحية التي يشير بها الغربيون إلى مناهج التعليم في بعض الدول، وليست فقط في فتاوى بالية انتزعت من سياقاتها وطار بها البعض وكأنه وقع على حجر زاوية الإرهاب، وليس في الفقر وحده، ولا في الجهل وحده، ولا الجغرافيا لها الدور الحاسم، ولا المؤسسات المجتمعية المهترئة أو المتخلخلة، أو الغائبة حتى، هي من له علاقة بهذه الفطريات التي لم توفر مكاناً إلا وأطلت برأسها فيه، واتضح أنه بها أو بدونها تعلو راية الإرهابيين ويزداد طنينهم.
إنه من الواضح اليوم أن علينا أن ندع المسلّمات التي توصلنا إليها يوماً ما، وظننا أننا قد وضعنا أيدينا على الجرح، إذ اننا أبداً لم نمسك السكين التي تسببت فيه، فنبدأ معالجة الجروح بينما السكاكين تعمل بنهم في لحم المجتمعات. وهذا ما يدعو إلى الانكفاء على الداخل، ودراسته، بعمق، وتفكيك الفكر الإرهابي، وليس بالتفكير نيابة عنه، أو الاتكاء على الظن، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .