العدد 2771
الإثنين 16 مايو 2016
على مشارف عقدها السابع
الإثنين 16 مايو 2016

هي فلسطين، بهذا الوضوح، هي اليوم على أعتاب عقدها السابع منذ أن اقتطعت من أرضها، ومنذ أن حاول الصهاينة أن يكتبوا تغريبتها الجديدة، لتغدو بعيدة عن جذورها، بعيدة عن روحها وبعيدة عن تاريخها ومحيطها.
آثر المحتلون تثبيت مقولة ان فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، أرادوا إيهام العالم أنهم لا يقفزون على حق أحد، ولا يتعدون على بيت أحد، ولا بيدر أحد، ولا زيتون أحد، ولا دبكات أحد، ولا كوفيات أحد، ولا كنائس أحد، ولا جوامع أحد، ولا خليل أحد، ولا رام الله أحد، ولا جنين أحد، ولا نابلس أحد، ومال العالم إلى الذكاء المدعّم بمال، وأشاح عن المال الساتر على الضعف والتخاذل والبيع الضمني والسري والعلني أيضاً للقضية المحورية في صراعنا الوجودي مع الجرثومة الصهيونية، لقاء المصالح الشخصية، والشخصية فقط وليست الوطنية، وليتها كانت بيوعا من أجل الأوطان الأخرى، لاشترينا لفلسطين باقة ورد ونحن نعودها في أمس الأحد، حينما نستذكر أنها ضحت من أجل الآخرين، ولكن الآخرين ضحوا بها من أجل أنفسهم فقط، ومن أجل كراسيهم، ومن أجل أن يُحكموا سيطرتهم على الشعوب. خوّفوا الشعوب بعدم حرف مؤشر النضال عن فلسطين، وعلى الشعوب أن تبلع الأحذية، وتضرب صفحاً عن كل المهازل التي تحدث في أوطانها حتى لا تشاغب ولا تشوش على الاستعداد للهجمة التي ترجع أرضنا المغتصبة، وحقنا السليب، ولم نر طيلة الأعوام السبعين عن المهازل والعهر السياسي والاقتصادي، والفعلي أيضاً، بينما السكين الصهيونية تغوص أكثر وأكثر في الجسد الفلسطيني، فتراجعت طموحاتنا من الحصول على كامل التراب الفلسطيني، إلى بعضه، أو إلى ما يمكن أن يسمح به منطق القوة، وهو المنطق الذي لا يمكننا تخيله لأننا لم نعرفه يوماً، ولم نعشه ساعة، فما هو إلا ضرب من الأحلام، يصطف مع المستحيلات التي تركها لنا الأقدمون وكانت ثلاثة، فباتت فلسطين رابعتها، والحال هذه.
كانت المسألة عند أطراف الأصابع في إبّانها، كان الامكان أقرب، أن ترص الجيوش العربية نفسها لبعض الوقت، بأسلحة حقيقية، وعزيمة ما كانت تنقصهم، وإيمان الرجال في الميدان ما كان ليبارى، ولكن الخذلان كان أقرب، والخيانات كانت أعظم، والدسائس كانت قد لفت حبائلها واستكملت دورتها، فاثّاقلت الحكومات إلى الأرض عند سماعها صوت النفير، وفضلت القعود في الظل بدلاً من مواجهة حرارة النيران، وارتضت تلقي لعنات الأجيال على ما فرّطت به، ولا أن تبعث الغوث للمقاتلين الذين جهدوا جهدهم، وبذلوا كل ما يملكون، ولكنهم في نهاية المطاف بشر خاضعون للمنطق الحسابي، في زمن شحّت فيه المعجزات.
فلسطين ما ضاعت في طرفة عين، بل عبر تخطيط طويل، ونفس أطول، والتمسك بالمبادئ بكل قوة بما يتجاوز الفزعة الآنية، فخلال خمسين عاماً (منذ ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى ثلاثينات القرن العشرين) نقل اليهود العبرية من لغة تردد في المعابد والصلوات وقلة قليلة من المحافظين عليها، إلى جامعة في قلب فلسطين في 1936. فما توقفوا يوماً عن الإطلال على حلمهم، وما يئسوا من مناغاته ساعة، وما كانت قضية الوصول إلى “أرض الميعاد” لتغيب عنهم في كل شاردة وواردة، في الوقت الذي كان المال والعلم والإعلام السواعد الثلاثة المتحركة في كل حدب وصوب تمهِّد لتلك الساعة، وتنتظر الفرص المتوالية للتقدم خطوة نحو الحلم الذي كان متاحاً وسهلاً ومنبسطاً أمامهم. وما كان أهلنا في فلسطين غافلين عما يجري، وما كانوا ساكتين، لكن المؤامرة كانت أكبر مما تخيلوا، حتى عندما تكشفت أطرافها، احتاروا من أين يبدأوا البصق فكل ما في العالم من مطهرات عاجز عن غسل العار الذي أسهمت في نسجه القوى العظمى، وأفسحت له الطريق حكومات كان بإمكانها فعل شيء.. أو قول شيء، بدلاً من الإعانة والخافية والظاهرة حتى يجري الانتهاء من هذا المخطط ظناً منها أنه سيغلق كهف العار، وأن شدوق الوحش لن تتسع لتبتلع المزيد من الأراضي العربية.
اليوم، وفي ظل التراجعات على أنواعها، وعكوف الدول العربية على مصائبها الداخلية، ومشاكساتها البينية، وخشيتها من التفتت والتقسيم وهي ترى السكين تنزل عليها من دون أن تستطيع حراكاً، سيبدو الاهتمام بالقضية الفلسطينية، أو التحرير، أو الكفاح المسلح، أو جبهة الصمود والتصدي، وكل هذه التعريفات والمصطلحات وكأنها من أساطير الشاطر حسن، الزير سالم، خارجة من ألف ليلة وليلة، وما شابهها من تراث شعبي ما عاد مستخدماً في القواميس اليومية، فما عادت المناهج العربية تمرّ على فلسطين إلا لماماً، ما عاد نشيد “موطني” يحرك دمعات في المقل كما كان يفعل فينا صغاراً، إذ لا أحد يعرف ما الذي يقوله المنشدون، فاللغة تغيرت كثيرا، ومضامين اللغة تغيرت، والاهتمامات العامة انصرفت إما إلى التغريب الذي يعيش فيه الناس هنا وقلوبهم بعيداً هناك، لا يضرهم من خالفهم، ولا تعنيهم القضايا الملاكة بين فكي الكهول، وإما إلى التشدد الديني الذي يريد أن يطهر الأرض التي حوله من كل مخالف فينشغل في أهله أولاً وينشغل أهله به مديرين ظهورهم للمسألة الأهم.
لقد تعقدت المسألة اليوم أكثر منها بالأمس، وغداً ستغدو أكثر تعقيداً، وسنتمنى لو عدنا إلى اليوم، فكل يوم يبعدنا عن حلم استعادة فلسطيننا أميالاً وأميالاً، قبضة الصهاينة تشتد، قبضتنا على السلاح ترتخي، قضايا كثيرة باتت تشتتنا وتلفتنا، وليست فلسطين هي أيضاً كتلة واحدة. طوفان إعلامي عالمي يجتاحنا كما يجتاح غيرنا من العالم، موجة عالمية تصدر من أميركا، تكتسح الثوابت المقلقلة والموروثات والثقافات فتقتلعها من جذورها وتجرّها ناحية البلد المصدر، نتخبط، نرى فلسطين تلوح في الأفق ونحن بين إغماءة وإفاقة، بين لحظات بسيطة نرفع رؤوسنا فوق سطح الماء نلتقط نفساً بالكاد ونحن نصارع هذا الموج الجبار، نمد أيدينا.. نمدها.. والأمل أكيد.. ولكنه بعيد!.
 

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية