العدد 2736
الإثنين 11 أبريل 2016
كي لا تضيع بنما سدى
الإثنين 11 أبريل 2016

مع كل ما جلبته وثائق بنما الهائلة حجماً، وما حوته من أوزان لا يمكن الفكاك منها، وما فعلته في عدد من الدول الغربية التي اتخذت بعضها إجراءات، وبعضها الآخر فضّل مسؤولوها المتورطون، أو الذين تحوم حولهم الشبهات التخلي عن السلطات، تمهيداً لما يمكن أن تتخذه شعوبهم في شأنهم؛ نرى أن كل هذا الضجيج لم يحرك إلى الآن ساكناً في الأمة العربية، بتنوّع سياساتها، وعلى تباين مقاربتها للديمقراطية، والتي من ضمنها المراقبة والتشريع، وما حدث يتقاطع مع المراقبة والتشريع، ولكن إلى الآن: لا شيء على الإطلاق!
الآن الآن وليس غداً، يتمنى المسؤولون العرب لو تحدث أكبر المصائب على الأرض العربية، حتى لو خلّفت وراءها ما يمكن أن تخلف من موت ودمار، حتى ينشغل الناس بهذه القصص والأحداث الجديدة، وينسوا ما جاءت به وثائق بنما من إثباتات تشير إلى أموال غير نظيفة توجد في سلال عدد غير قليل من المسؤولين، غير نظيفة لأنها أخذت من غير حقها، لتذهب إلى من لا يستحقها، وغير نظيفة لأن عمليات غسيل الأموال التي تجري في الملاذات الضريبية تستخدم فيها المياه الملوثة، ووسائل تنظيف رخيصة، فتتلوث هذه الأموال أكثر وأكثر، وتتضاعف القذارة.
يتمنى المتورطون من الطبقة الأولى من الساسة العرب، لو أن رياح بنما تمرّ سريعاً، فقد استكانوا، وانحنوا بهدوء، وها هي ذي الأيام تطوي الأيام، والساعات يأخذ بعضها برقاب بعض، وقريباً سينسى الناس هذه الفضائح المدوّية، وأموالهم المنهوبة، والثروات التي غادرتهم إلى كل مكان في العالم إلا بلادهم، والتي بدل أن تستثمر داخلياً، وتوزّع على أصحابها الحقيقيين، صار لها صاحب واحد لا شريك له.
وللحقيقة، فلم يحدث أكثر مما كان متوقعاً في أي من الدول العربية إلى الآن. فلقد تململ الجمهور في مكانه، بأن الوثائق لم تكشف جديداً، وأنها لم تصدمهم بما فيه الكفاية، فهم إما أن يكونوا قد تشبّعوا إلى الدرجة التي لم يثر اهتمامهم ما جرى كشفه من مساوئ وعورات لهؤلاء، وإما أنهم يعلمون – فيما بينهم – أضعاف ما جرى كشفه، وهذا ما جعلهم يتلقون الأخبار بشكل طبيعي. هل لنا أن نضيف احتمالاً ثالثاً؟ الشعوب العربية ظلت لعقود طويلة أسيرة “خائين”: الخوف والخَوَر. حاولت خلال هذه العقود أن تطالب بحقوقها، فلم ينجح الأمر، فحاولت التمرّد بشكل هادر، فانقلبت الحال عليهم، منطبقاً عليهم قول المثل: ربَّ يوم بكيت منه، فلما تولى، بكيت عليه، فصارت هذه الشعوب تتمنى يوماً من أيامها السابقة للعيش في ظله. فلتذهب الأموال إلى من يريد نهبها... من الدينار إلى المليار، وإن أرادوا الاستزادة فليستزيدوا، ما لنا نحن والأموال، فهم أحق بها من شعوبهم مادامت قلوبنا واجفة، وسيقاننا راجفة، وجرارنا ناشفة؟!
كانت هناك تجارب مماثلة مع أكثر من شكل من أشكال التسريبات والتقارير الصحافية، ولكن ليست هناك إرادة عربية جمعية لعمل شيء، بل يخرج من الناس من يقول بعدم القبول بأن يرد اسم كبار مسؤولي البلاد العربية في أجهزة الإعلام في الدول الأخرى، فهذا ما يعتبره بمثابة انتهاك للخصوصية، وينقسم الناس – كما هي العادة – من حيث التأييد والتفنيد، ويضيعون الجهود، ويستهلكون أنفسهم وطاقتهم.
وما يثير الغيظ والحنق حقاً، ظهور بعض العرب المتحذلقين والمتفذلكين ليتساءلوا، وكأنهم وقعوا على السر الدفين: “لماذا تنشر الوثائق، وفي هذا الوقت بالذات؟”، بالله عليكم، أعطوني الوقت المناسب الذي يمكن أن تنشر فيه الوثائق! فلو نشرت قبل عامين سيقال لماذا الآن بالذات، ولو نشرت بعد عشرين عاماً، فسيأتي من يحك ذقنه ويضيّق ما بين جفنيه ويقول: لكن لماذا الآن؟!
إذا ما آمنّا بأن انهيارات عدة حدثت، وتحدث، وستحدث في جدران خزائن المعلومات والوثائق على المستوى العالمي، وأن سهولة نقل ملايين المستندات باتت اليوم ممكنة في ما يصغر عن عقلة الإصبع، ولأغراض متعددة، كما أوردتها في الأسبوع الماضي؛ فإن وتيرة الفضائح هذه ستكون أسرع، وربما أمضى وأوجع مما مر علينا إلى الآن، لذا فليس مطلوباً من الجهات المعنية في أي من الدول العربية المسارعة بالنفي جملة وتفصيلاً في ما لا يقتنع به أحد، وليس مطلوباً من الشعوب أن تصب جام غضبها في الشواع، وعلى الشوارع، بل قيام البرلمانات المطلوب منها المراقبة، أن تحقق في ما يتوفر لديها من معلومات، واتخاذ المناسب من إجراءات تجاه أي شخص في المجتمع يتسبب في السرقة أو الاستغلال السيء للمنصب أو إلحاق الأذى بالمجتمع.
 

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية