العدد 2732
الخميس 07 أبريل 2016
كوابيس الـ “ليك” تطاردهم
الخميس 07 أبريل 2016

لعشرات القرون ربما، ظلت الأسرار أسراراً، تموت بموت صاحبها، يأخذها معه إلى القبر، لتتحول إلى رماد قبل أن تبدأ جثته التحلل.
ولكن عندما بدأ الإنسان في مسألة التوثيق، صار عليه أن يختار، إما أن يوثق وإما أن يحتفظ في صدره بما لا يمكن كتابته. ولكن مع تعقد الحياة، ما عادت الصدور قادرة على حمل الأسرار، والمراسلات، والأرقام، والتحويلات، والانتهاكات، والقرارات. صار الناس يريدون حماية أنفسهم في كل خطوة، خصوصاً إن كانوا في مواقع حساسة، أو يخدمون المواقع الحساسة، لا يريدون أن يتورطوا وهم على قيد الحياة، أو تتلطخ أسماؤهم بعد مماتهم، لذا كثرت الوثائق، صارت تئنّ بها الأرفف، صارت تضيق بها الحاويات الرقمية على اتساعها، صارت كالسدود المائية التي تريد فأرة صغيرة أن تنبش في الجدار حتى تبدأ المعلومات في التسرب، وما تلبث أن تهدم السد وتتحول إلى طوفان لا يبقي ولا يذر، يدمر طبقات متتالية من المشاركين في المخالفات على أنواعها.
كانت المعلومات السرية ملكاً للدول، والخزائن الحديدية، وأجهزة المخابرات، ومكاتب نعلم بعضها ونجهل الكثير منها. بعض هذه الأجهزة تظهر بعضاً من الوثائق بعد مرور 30 عاماً أو 50 عاماً، بعضها اتخذ قرارات بخفض مدة سرية الوثائق والمعلومات، حتى لو كانت تدين الدولة الناشرة للمعلومات، على اعتبار أن من حق البشرية أن تعرف، ولكنها في الوقت نفسه، لا تنشر كل شيء، فبعض الأمور تظل أسراراً حساسة لا يمكن للدولة البوح بها، لاستمرار تأثيرها. وفي بلداننا العربية، فإن جهلا موجعاً يجعل من الذين يقومون بانقلابات، وهم في الغالب من الجماهير الغاضبة، فإن طرفاً منها يسرق وينهب، وتكون ثورته وانقلابه من أجل مال يصيبه، أو امرأة يتحرّش بها. وهناك الغاضب الموتور الذي يعمد إلى إضرام النار في الوثائق والملفات، فكأنه يساعد على إخفاء الأدلة التي تدين هذا الشخص الذي انقلب عليه!
ولكن من الواضح أن الأخلاقيات القديمة التي درج عليها الناس قبل مئات السنين قد تغيّرت. فقد قال عمر بن عبدالعزيز: “القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلُّ امرئ مفتاح سرِّه”، فهناك من يشعر بثقل الأسرار على قلبه ونفسه، ويتقلب في فراشه ليلاً لا يستطيع النوم لشعوره بمسؤولية حمل الأسرار التي يمكن أن يكون في إفشائها صلاح للعباد والبلاد، أو وقف استنزاف، أو قطع الطريق على عمليات إجرامية تحدث باستمرار، وإن كان في بلاد أخرى، وأمم أخرى، فهناك مسؤولية ربما أسست لها المسيحية بالتخلص من ثقل الخطيئة بالاعتراف. وبطبيعة الحال هناك من يرجو الشهرة بإفشاء الأسرار وهذه لوثة عالمية في الوقت الراهن. وهناك من يرتزق ببيع الأسرار والوثائق، والحديث هنا عن مبالغ ليست قليلة يصيبها من يبيع الوثائق إما لبلد آخر، أو جهاز آخر أو لمن يريد الاستفادة المادية منها أيضاً بخلق موقع يجري من خلاله بيع هذه الوثائق لمن يريد، وأيّاً ما كانت الأوضاع والدوافع، فإن الوثائق اليوم ما عادت أسراراً، والذين يقولون إن “المعلومة قوّة”، يعرفون أن قواهم تخور، والبُسُط تنسحب من تحت أرجلهم.
إن سلسلة الـ “ليك” اليوم، بدءاً من ويكيليكس، وهو الموقع الذي أنشئ في 2006، ولكنه ما لبث أن فجّر قنابل المفاجآت اعتباراً من 2010 بمئات الآلاف من الوثائق المأخوذة من المؤسسة العسكرية الأميركية، الأمر الذي جعل مؤسس الموقع، جوليان أسانج، في موقع الملاحقة، لكشفه أسراراً عسكرية، تلتها أسرار وتقارير ووثائق بعضها محرج للحكومات في كيفية تفكيرها في حلفائها وشركائها وأعدائها، وما الذي تريد عمله في كل حال مع كل الدول. إنها مراسلات سرية جرت قرصنتها، وجرت قرصنة القراصنة، وبعضهم قام بالبيع، أو التسريب، بعضهم كانت له أغراض مختلفة لضرب الخصوم، ولا يُعلم ما إذا كانت هذه الوثائق جميعها صحيحة، أم تم التدليس عليها، ولكنها اليوم أصبحت تشكل ثقافة جديدة تقول: لا مهرب ولا مخبأ، اعمل تحت الشمس... تحميك بضيائها.
لم تمر سوى سنوات قليلة حتى ظهرت مخالفات بنك HSBC السويسري، حتى تحالفت منظمات صحافية كبرى تعنى بالصحافة الاستقصائية في الأساس للنشر المتزامن لمئات من الصحافيين الذين تناولوا خروقات قام بها فرع البنك في سويسرا، محاولاً التملص في البداية، حتى لم يجد البنك الأم بدّاً من الإعلان عن وجود مخالفات استثمرها المتنفذون في بلدانهم من أجل التلاعب المالي الممنهج في اللعب بعيداً عن الأضواء، وعن الرقابة، وعن سخط المتضورين جوعاً في بلدانهم.
فتح هذا التسريب شهية جهات أخرى لمتابعة “الملاذات الآمنة” للأموال والاستثمارات، و”الجنان الضريبية” التي عُرفت قبل أيام قليلة باسم “وثائق بنما” تمر من خلالها التريليونات من الدولارات من دون إفصاح أو تدقيق، وليس شرطاً أنها عمليات غير قانونية، ولكنها لا تخلو من الشبهات التي تصبغها، والتي تترك رائحة مزعجة في المال، وإن كان قانونياً في الأعراف المدنية، وربما “حلالاً” في الأعراف الدينية، ولكنه أبداً ليس حلالاً بما يكفي، فشبهات التهرب الضريبي تعتور الكثير من العمليات، وغسيل الأموال، والكثير من العمليات غير المريحة على أقل تقدير.
اليوم تصدق أكثر وأكثر مقولات الكندي الداهية مارشال ماكلوهان، الذي أطلق في العام 1964 مصطلح “القرية الكونية”، وربما أكثر من ذلك التعبير الذي أطلقه كاتب هذه السطور في 2008 بـ “الغرفة الكونية” التي نرى جميعاً جدرانها وزواياها ولم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه. ماكلوهان صاحب نظرية “الوسيلة هي الرسالة” تعود للحياة من جديد، إذ الوسائل صارت هي التي تحدد هذا الفيض من التسريبات التي لم تكن ممكنة قبل 40 عاماً، وهي عمر “وثائق بنما” التي تعود إلى العام 1977. الوسائل الجديدة خلقت ثقافة جديدة، عبّدتها سهولة التواصل، وسهولة النقل، وسهولة التخزين، وسهولة النشر.
بينما حكومات الدول المتقدمة تذهب لفحص ما رشح من تسريبات قامت بها الصحافة الاستقصائية الحرّة، حتى تتخذ “الإجراءات المناسبة” كما قالت مدير عام إدارة الإيرادات والجمارك البريطانية جيني غرانغر؛ فإن دولاً أخرى تقوم بحشر مستشاريها وطواقمها الإعلامية في غرف مغلقة للخروج ببيان بأن ما ورد في الوثائق نابع عن حقد وحسد وحملة مضللة مدفوعة من القوى الصهيونية وقوى الاستكبار العالمي.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية