شهدت مدينة نيويورك الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي نشوء ظاهرة صحافية جديدة، تعتمد أساسا على المبالغة في الإثارة الخبرية، وتعتبرها وسيلة فاعلة لجذب القراء والمحافظة على معدلات الانتشار الواسعة، وضمان وجود رصيد جماهيري يكفل إحداث تفاعلات مع أخبارها وتقاريرها، وبالتالي زيادة المردود الإعلاني والإعلامي على حد سواء..
ورغم أن البداية كانت “بريئة” في ظاهرها كغيرها من البدايات، إلا أن توجهات تلك الصحف أخذت في التوسع العمودي، فبدأت وسائلها تقترب من “القاع” و”الدونية” في سبيل الحصول على المكاسب المادية، حتى أن بعضها تخصص في البحث عن الفضائح، والعزف على أوتار إثارة الفتن وافتعال المشاكل..!
ومع تطور الإعلام المقروء والمرئي، ظلت بعض تلك الوسائل “مخلصة” لذلك التوجه “الساقط” الذي يضرب الأعراف البشرية والخُلق الإنسانية عرض الحائط حتى “الإدماء”، فقد خرجت لنا قنوات تليفزيونية عدة تقتات على “الفضلات الأخلاقية”، وظهرت مواقع إليكترونية جمَّة “تعتاش” على الأخبار الكاذبة واصطناع الخلافات وخلق أجواء من المشاجرات والمشاحنات، وكل ذلك في سبيل الحصول على ردود أفعال المتابعين وصولا إلى كسب المعلن التجاري، ولو كان ذلك على حساب المصداقية الخبرية والأخلاقية.
ولعل أحدها ذلك الموقع الرياضي “المُعرَّب” عن نسخة أجنبية عالمية، الذي أعتبره تجسيدا عمليا حقيقيا لانحطاط القيم النبيلة التي ناضل أجدادنا من أجل قيامها، وبذلوا من أجلها الغالي والنفيس في سبيل بقائها، حتى جاءت ثلة من “مرتزقة” ذاك الموقع حاملة معولها لتهدم كل ما بناه أولئك الرجال في سويعات من الزمان، وكل ذلك من أجل حفنة دولارات..!
ويمكن لمتابعي ذلك الموقع الإلكتروني الذي يديره عرب – للأسف – ملاحظة “كمية الزيت الهائلة” التي يسكبها المشرفون على كل خبر يحمل في طياته خلافا صغيرا، حتى يغدو بعد سويعات من طرحه نارا وشقاقا وضربا لكل ما تحرمه الأعراف والديانات السماوية.
لقد سعى مشرفو ذلك الموقع لاستغلال الشحن النفسي الذي أضحى طابعا لمباريات الجزائر ومصر في الآونة الأخيرة، وبالفعل نجحوا في استدراج ضعاف النفوس والعقول من الطرفين، إلى “فخ” تبادل القذف والسب فتقطع رباط الأخوة، وحلت مكانه سلاسل من الاتهامات التي استمرت ردَحا من الزمن، وبات كل طرف يشكك حتى في عروبة الآخر وسلامة مواقفه القومية.
والآن وبعد أن انتهت زوبعة تلك المباريات، كان من الطبيعي أن نلتمس جبر ما تكسر، وترميم ما تهشم، إلا أن قيِّمي ذاك الموقع آثروا مواصلة عزفهم “النشاز” على وترهم “البلاستيكي”، فكانت أخبارهم التي لا نعلم لها أرضا من سماء، ولا وجها من قفا، والتي كانت تدفع الطرف الآخر على الرد عليها دفعا، في صورة جعلتنا ننعت موقعهم بـ”الموقع الأصفر” بدون أي تردد.
لا أعلم حقا ما الذي دفع أناملي للكتابة في هكذا موضوع، ولكنها الغيرة العربية التي حمت بين أضلعي فكان لزاما عليّّ أن أبثها عبر سطوري، لئلا تبقى حبيسة صدري فأصاب بما لا يُحمد عقباه.. وخصوصا أنه زمن لا يعترف بالصحيح من السقيم، ولا يفرق بين الغث والسمين، فالكل عنده سواء، مادام يتفق مع الأهواء والرغبات حتى لو كانت “صفراء” فاقعة لا تسرُّ الناظرين.