لا أقصد من المقال، كما يتبادر من العنوان، سرد قصة “أهل الكهف” التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ولكن إعادة قراءة وتحليل قصة “كهف سقراط”، تلك الحكاية الإغريقية الشهيرة التي يمكن أن تنطبق على كثير من واقعنا ليس البحريني فحسب، وإنما العربي أيضا، فكما تقول القصة فإن سقراط تخيل نفسه وأهالي أثينا يعيشون في كهف لسنوات طويلة، وطوال تواجدهم في الكهف كانوا يرون على جدرانه خيالات يحسبونها مخلوقات حقيقية، ولذا كانوا يخشونها ويخافون منها، وحين خرج سقراط من الكهف اكتشف أن هذه الخيالات ما هي إلا ظل لمخلوقات بالخارج، وعندما عاد إلى الكهف دعاهم إلى الخروج من الكهف لكي يتعمقوا في دراسة العلم الذي مهما كان صعبا، إلا أنهم اتهموه بالجهل والهرقطة لأنه سفه السائد من معتقداتهم.
تذكرت هذه القصة في هذه الفترة ربما بسبب ما تشهده الساحة من جدل حول الديمقراطية وتعديل الدستور والحكومة المنتخبة وسمات الملكية الدستورية، إذ إن بعض التيارات في بلدنا لا تريد أن تخرج من كهف التصورات والرؤى التي كانت تتناسب مع طبيعة المراحل السابقة، وليس لديها الأدوات المناسبة للتعامل مع الأمور بالحنكة الكافية، لماذا نظل ننظر إلى الماضي فقط ونستغرق فيه، ولا ننظر إلى الواقع والمستقبل؟ لماذا نرهن أنفسنا داخل كهف التصورات، ولا ندرك أننا خرجنا من الكهف ونعيش مع ما كنا نظنها -خيالات وأحلام- واقعا معاشا على المستويات كافة.
فما كان يناسب فترة التسعينيات لا يتناسب بالضرورة مع الفترة الحالية، فالظروف اختلفت كليا وجزئيا لأن البحرين تعيش تجربة ديمقراطية منذ تولي جلالة الملك مقاليد الحكم أرست قواعد جديدة للعبة السياسية عندما رسخت مبادئ دولة القانون والمؤسسات، وعندما كانت هذه التيارات في السابق لم تكن تدرك أن الديمقراطية قادمة جاء جلالة الملك بمشروع إصلاحي شامل، كانت الديمقراطية ركيزته، ولكن المشكلة أن بعضنا يريد دائما استعجال النتائج.
فكل الأمم والشعوب خاضت سنين طويلة للوصول إلى النموذج الديمقراطي الذي ارتأته لنفسها، والبحرين خلال عشر سنوات فقط قطعت أشواطا لا بأس بها والعملية لا تزال مستمرة نحو المزيد، فلماذا ننظر دائما إلى النصف الفارغ من الكوب ولا ننظر إلى الإيجابيات التي تحققت؟ فحتى هذه التيارات والقوى استفادت من العملية الديمقراطية عندما قبلت دخول العملية السياسية بشروطها الراهنة، انتقلت من خانة المعارضة اللامسؤولة إلى المعارضة المسؤولة التي تراعي مصلحة الوطن وأمانيه وتعمل على تلبية متطلبات المواطنين الحياتية والمعيشية.
ربما يكون بعض ما تطالب به هذه التيارات في إطاره النظري صحيحا، ولكن القفز على الواقع ومحاولات الإثارة لن تؤتي الثمار المطلوبة، فالأطر القانونية وفي مقدمتها البرلمان متاحة للجميع لعرض رؤاهم... ففي عصر الديمقراطية لا يستقيم اتخاذ ذات الوسائل التي كانت تستخدم في السنوات السابقة... فهل يدرك هؤلاء أن أهل البحرين لم يعودوا داخل الكهف ينظرون خيالات الديمقراطية يمينا ويسارا، ولكنهم يعيشون واقعا ديمقراطيا ربما يكون الأكمل؟ ولكن طالما أن الإرادة موجودة فإن طريق المستقبل سيكون أفضل.
وأدعو هذه التيارات إلى أن تخرج من كهف تصوراتها وإيمانها بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وان يكون أداؤها السياسي على قدر المنتظر منها، وستكون مخطئة إذا ظنت أن الطريق الذي تسلكه هو حصان طروادة لمزيد من المكاسب، فأهل البحرين جميعا لا ينظرون ولا يقدرون إلا من يحافظ على وحدة الوطن وقيادته، وجربوا أن تكونوا خارج كهف التسعينيات لتعلموا أن بحرين اليوم ليست هي بحرين الأمس.