ليس ثمة مسألة أهم من قضية الأمن الوظيفي، أو ما يصطلح عليه بـ “الاستقرار الوظيفي”، ولكن ماذا تعني هذه المسألة عندنا في البحرين؟
تبدو للوهلة الأولى، ونحن نقرأ العناوين البارزة للصحف البحرينية، وكـ “أننا مركز الكون في كل المسائل”، وأننا لا نتأثر بما يحيط بنا في العالم، لا بأزمة اقتصادية في “وول ستريت” ولا “منهاتن”، ولا في عقارات دبي، ولا أيضا من انخفاض أسعار النفط، ولا هم يحزنون، فلماذا نشعر بالقلق، بما يسمى بالأمن الوظيفي؟
قد يبدو للوهلة الأولى للذين لا يزالون على قيد عملهم، ووسط اندفاعاتهم وشحناتهم الحماسية، يعتبرون أن القضية مبالغ فيها، أو أنها أمور لا تغدو إلا مجرد “تهويش” من كسالى، متقاعسين، أو نسميهم ما شئنا، ليس عندهم عير التشويش لخلق المبررات عن إنهاء عقد عمل شخص ما، أو إقصائه، أو إبعاده، أو انتقاله من وظيفة إلى أخرى، وهذه عملية روتينية تتبعها بعض الإدارات في القطاع الخاص والعام يتوجبها شعار “من لا ينتج لا يأكل”، وفق سياسات وأنظمة أي مؤسسة تريد البقاء والاستمرارية والتطور.
القضية ليست بهذه البساطة والتبسيط، فالأمن الوظيفي، أو الاستقرار الوظيفي، والتهديد بين الحين والحين بالإقصاء والتهميش في العمل لأسباب لا معنى لها من بعض توجهات الإدارات، قد تحمل في مغزاها أكثر من معنى ليسود الخوف والتوجس عند العاملين بشقيهم، الفكري والعضلي، فقد كشفت دراسة أميركية، “أن القلق من فقدان العمل قد يترك آثاراً سلبية على صحة الفرد تعادل في خطورتها الأذى الذي تسببه أمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو أضرار التدخين، وأن تأثير القلق والخوف من البطالة أسوأ بكثير من فقدان الوظيفة فعليا”.
الأمن الوظيفي بطبيعة الحال في كل مكان يبحث عن “عدالة مفقودة”، لكنه يقل بكثير في القطاع الخاص عن الحكومي، وذلك ربما، لتأثر قطاع الخاص بمتغيرات السوق، بالإضافة لعدم وجود قوانين واضحة وحازمة من قبل السلطات التنفيذية على هذا القطاع لطابعه المميّز والخاص به، وفق محللين اقتصاديين، والأنكى، عندنا في البحرين، كثير ما يتشدق به بعض “أرباب العمل في الشركات والمؤسسات الخاصة للأسف”، حيث إنهم لا يعيرون معايير المصلحة الوطنية لحماية هؤلاء، ومقاسات إثبات الذات وجدارتها وخبرتها، بالإضافة إلى حرصها المتفاني في التعلم وإتقان المهام الوظيفية وتطويرها، بل يتجهون كلما ضاقت بهم الدنيا لكسب الأرباح إلى منحدرات أشبه بالكارثية ضد مواطنيهم، موظفيهم عمالهم، مستخدميهم، وكأنهم عبدة في منازلهم، بإتباع أساليب على طريقة: إن لم تعمل عندي برضا ومن دون تأفف، لدي البديل لـ “لاستبدالك/ استبدالكم، بالهاتف من بلدان عربية أو أجنبية أخرى ليحلوا محلكم!!”.
الموظف البحريني، يحاول أن يبني لنفسه أمناً وظيفياً بإتقان مهام وظيفته على أكمل وجه، لكن كيف وسط هذا القلق من فقدان العمل والغموض الذي يعتريه بهواجس الخوف وعدم الطمأنينة للمستقبل، إضافة إلى تراكم الديون وكثرة الالتزامات الحياتية؟
على كل حال... ليس أرباب العمل وحدهم المسؤولين عن هذه الهواجس والاضطرابات الصحية والمخاوف، التي تساور البعض على عكس البعض الآخر، بل ربما الموظف ذاته والنظام العام معاً، وذلك لفقدان جل الدول من تشريعات تحمي كفاءة الموظفين من آفة عدم الاستقرار الوظيفي، وعليه أصبح “النفاق والتملق”، وليس الكفاءة، سمة من سمات العصر للأمن الوظيفي.