ربما يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد من بين رؤساء الوزارات الاسرائيليين الذي ليس له حرب تخوضها اسرائيل إبان فترات حكمه، جميعهم كانت لهم حروب اعتبرت اسرائيل منتصرة فيها من وجهة نظر الاسرائيليين باستثناء اثنين هما بيريز واولمرت، فقد خاض كل منهما حربا خاسرة، بيريز عام 2006 عندما شن الحرب على المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان ولم تستطع قواته الدخول الى أي قرية حدودية لبنانية، وسجلت المقاومة في تلك الحرب نصرا وخرج بيريز بسواد وجه مذبحة قانا.
أما اولمرت فهو الذي شن الحرب على غزة او على حماس في غزة، بمعنى أدق اواخر عام 2008 وخرج منها خاسرا لأن قواته صدت على ابواب غزة ولم يستطع جيشه اقتحام شارع فيها، وخرج اولمرت بسواد وجه مقتل مدنيين زاد عددهم على الألف وبحرب تلفزيونية تصور فيها قوة النيران الاسرائيلية المنسكبة على السهول المتاخمة لغزة.
على الارجح ان هذين الرئيسين من رؤساء الوزارات الاسرائيليين خسرا حربيهما لسبب واحد وهو انهما هما الوحيدان من بين رؤساء الوزارات الاسرائيليين الذين لم يكونا من المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، فكلاهما كان مدنيا ولم يكن من بين الجنرالات الذين حكموا اسرائيل وخاض كل منهم حربه الخاصة به.
نتنياهو ايضا هو من بين القادمين من صفوف المدنيين ولم تكن له علاقة بالمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، وهو مهندس معماري يميني متطرف، وبسبب التوجهات اليمينية للمجتمع الاسرائيلي منذ اواسط التسعينات استطاع نتنياهو ان يستغل هذه التوجهات الشعبية الاسرائيلية وان يصعد من خلالها الى سدة رئاسة الوزارة، وهو يتميز كرئيس للوزراء بانه الوحيد من بينهم القادر على تجميد مسار المفاوضات ومسيرة السلام مع الجانب العربي والفلسطيني بالذات، فهو اذا ما اراد الاسرائيليون ان يظهروا بمظهر غير الراغب بالتفاوض والسلام ودفع الجانب العربي الى اليأس من العملية السلمية عله يقدم تنازلات اكثر انتخبوا نتنياهو ونصبوه رئيسا للوزراء، حتى انه بات يتقن هذا الدور ولديه قدرة لا بأس بها على التلاعب بالالفاظ والالتفاف على أي ضغوط او مطالبات دولية او محلية. نتنياهو الآن يوضع على المحك ليختبر، وعلى الارجح ان خصومه السياسيين سيسقطونه في المرحلة القادمة بسبب السيناريو المعد الآن لنتنياهو او الذي اوقع نفسه فيه بسبب الغرور وعدم الخبرة العسكرية. بدأ السيناريو بالمصالحة التي تمت بين السلطة الفلسطينية في الضفة وبين حماس وحكومتها في قطاع غزة، والتي انتهت الى نجاح وحكومة ووحدة، هذا الامر لا يروق لنتنياهو ويدفعه الى الزاوية دوليا ودبلوماسيا؛ لأنه كان يتعلل بالانقسام ووجود حكومة حماس في غزة حتى يعطل المفاوضات، اما وان المصالحة قد اسقطت حجته واصبح ابو مازن رئيسا للجميع فانه سيحرج عندما يماطل وسيكون ذلك سببا لعزلته السياسية التي اوصل نفسه إليها، وهو الآن يستغل حادثة مقتل الشبان الثلاثة المستوطنين لشن حرب لم يتحدد حجمها حتى الآن ولا مداها وهذه الحرب ان شنت على أمل إنهاء حماس في غزة وعلى الارجح فإنها ستكون حرب إنهاء نتنياهو سياسيا؛ لأن الهدف غير قابل للتحقيق وربما كانت الحرب محدودة بحيث تكون قاصرة عن الهدف الكبير وهو انهاء حماس في غزة ومثل هذه الحرب ايضا ستعيد نتنياهو الى النقطة التي هو موجود فيها الآن سياسيا وسيخسر في الوقت الذي سيعتقد فيه انه انتصر بإرضاء اليمين من خلال تدمير البنية التحتية من الجو في غزة، وسيكون هو الثالث بعد بيريز واولمرت الذي يقبع الآن في السجن. وهل يستطيع نتنياهو ان يقنع اليمين الاسرائيلي بانتصاره غدا في الوقت الذي سيقضي نصف سكان اسرائيل على الاقل كل وقتهم في الملاجئ خوفا من الصواريخ التي ستقصفهم من غزة؟