العراق ينهار على طريق الانقسام، هروب جيش المالكي من عدة محافظات شمالية سقطت بأيدي المسلحين على الغالب من غير قتال، المالكي ووسائل الإعلام يقولون إن المسلحين هم لداعش أي للتنظيم الإسلامي المسلح الذي ظهر في سوريا ابتداء باسم دولة العراق والشام، ومعلومات من داخل المحافظات التي سقطت بأيدي المسلحين تقول إن المسلحين هم مسلحي العشائر الذين ثاروا ضد التهميش الذي تمارسه حكومة المالكي بحقهم وحق مناطقهم، وقبل الجزم في حقيقة المسلحين ومعرفة ما حصل بناء على حقائق لابد أن نستعرض من خلال سلسلة من المقالات نحلل فيه لماذا حصل ما حصل في العراق وإلى أين تتجه الأمور؟
بدأت مشكلة المناطق التي سقطت مؤخرا بأيدي المسلحين مع ديمقراطية العراق التي جعلها المالكي ديمقراطية مشوهة، أو أنها صيغت من قبل بريمر بحيث لا تؤدي إلا إلى نتائج مشوهة سواء كان الحكم بيد المالكي أو بيد غيره، فما يفوت بعض السياسيين غير المثقفين ثقافة القادة المفكرين الذين يستحقون وصف رجل الدولة هو أن كل بلد وكل شعب له ثقافته الخاصة ومكوناته السكانية الخاصة ودرجة تطور اقتصادي واجتماعي قد تكون متواضعة أو على درجة عالية أو غير ذلك، وأن ما يناسب الشعب البريطاني أو الفرنسي أو السويدي من ديمقراطية قد لا ينطبق على شعب آخر وبظروف مختلفة، وأن الديمقراطية بالنسبة لهذا الشعب يجب أن تنطلق من ظروفه الخاصة حتى يمكن التعامل معها بما يمكن من التوصل إلى نتائج قريبة أو مشابهة لنتائج الديمقراطية لدى الشعوب الأوروبية التي ذكرناها.
إن الديمقراطية التي أعجب بها المالكي وأعتقد أنه ديمقراطي من خلالها والتي تؤدي إلى تحكم مكون طائفي معين من خلال انتخابات تعتمد على من يحصل على أعلى الأصوات هي ليست ديمقراطية، فالحصول على أعلى الأصوات لحزب معين يؤدي إلى نتائج ديمقراطية في بريطانيا على سبيل المثال؛ لأن من سيحصل على الأغلبية هناك لا يستطيع تهميش من لم يفوزوا في الانتخابات؛ ولأن درجة التقدم في بريطانيا تجعل التنافس هناك بين الأحزاب بناء على البرامج التي يتسابقون من خلالها في خدمة البريطانيين كلهم وليس من أجل الحصول على الأغلبية من أجل استغلال ذلك للتمكن من إذلال طائفة أخرى ومكون آخر من السكان فعندما تكون نتائج الانتخابات مؤدية إلى هذا الطريق فالانتخابات ليست هي الديمقراطية إلا إذا كانت القوانين والظروف التي تسود مجتمع معين لا تؤدي إلى النتائج التي حصلت على يد المالكي في العراق، فالمالكي لم يعجب سلوكه السياسي حتى أبناء الطائفة الشيعية في العراق والجميع يعرفون مواقف مقتدى الصدر منه. إذا لماذا حصل ما حصل كان الجواب عليه هو أن الديمقراطية العراقية المزعومة من قبل المالكي وضعت قواعدها بما لا يناسب العراق من حيث مكوناته وظروفه الخاصة التي يجب أن ينطلق منها كل مشرع داخل بلده وأن لا ينقل قوانين جاهزة تناسب شعوبا ودولا أخرى، فمجرد فوز المالكي في الانتخابات جعل منه دكتاتورا مندفعا نحو تهميش الآخرين وكأن الصناديق أصبحت هي وسيلة الدكتاتور للوصول إلى الحكم ليكون دكتاتورا من صنع الصناديق في دولنا. لقد فعل المالكي ما فعل على غير رضا من طائفتي الشيعة والسنة في العراق ومن لا يصدق فليتذكر تصريحات ومواقف مقتدى الصدر. في الحلقة القادمة نحاول استطلاع حقيقة ما جرى في الأيام الأخيرة..