كلما اتجهت الأوضاع لنوع من الهدوء ولا نقول كامل الهدوء، كلما عكره عنف غير منطقي وغير مبرر هنا أو هناك، والأهم من كل ذلك أن هذا العنف يحصد أرواحا عزيزة لا ذنب لها إلا أنها تقوم بواجبها في حماية الوطن والمواطن وتبذل كل ما تستطيع في سبيل أن يسود الأمن على هذه الأرض ويهنأ المواطن والمقيم عليها بالأمن والأمان، وكأن من يمارس القتل والتفجير والعنف عندنا يصر دائما وأبدا على أن يكون شاذا على المجتمع وبعيدا عن الدين الذي يدعيه وغير منتمٍ للإنسانية التي يتباهى بها زورا.
الجميع من التيارات والجمعيات والشخصيات بل كل المكونات الشعبية تقريبا تبادر بالاستنكار ورفض ما يحدث، فالمجتمع بكامله يقف ضد هذه النوعية من الأعمال ويرفضها، لذلك قلنا عنهم إنهم شواذ المجتمع، والشواذ في أي أمر يعني فئة بعيدة عن الصح والنمط الصحيح، وهو ما يعني أنها لا يجب أن تظل باقية في الموقع الصحيح في هذا المجتمع، وأن على المجتمع ذاته أن يلفظها ويبعدها عنه بأي وسيلة ينظف نفسه ذاتيا وبإرادته.
ومع أن مجتمعنا لافظ لها ورافض لوجودها ويتبرأ منها دائما وأبدا إلا أنها لا زالت تلقى رعاية من جهات نحن في الواقع لا نعلمها ولكنها موجودة، ويمكن بل يجب أن تكون معلومة لدى الجهات المعنية وبالذات الأمنية، ولا نستطيع أن نلوم هذه الجهات على وجود تلك الفئات الشاذة أو استمرار عملها لأنها - أي الجهات الشاذة - تتشكل وتتلون وتتوالد بطرق غير شرعية، أي خفية، وبعيدة عن العيون؛ لأنها لا تجرؤ أن تعمل أمام الناس.
المهم في هذا السياق أنه إذا كانت هذه الأعمال الشاذة تلقى هذا الرفض العام من الجميع تقريبا، فمن الذي يقوم بها ولماذا؟ قد فهمنا أن من يقوم بها هم شواذ المجتمع، إلا أنه من المهم فهم أن الرفض والاستنكار الذي نسمع به ونقرأه كلما حدث أمر ما من تلك النوعية أصبح غير كاف للتعبير عن الموقف؛ لأن التعبير عن هذه المواقف الرافضة تستدعي فعلا ماديا وليس نظريا على الورق فقط، تستدعي الفعل وليس الحديث باللسان، والفعل العملي المادي يعني تحمل المسؤولية الوطنية في محاربة تلك الأفعال الشاذة الهدامة وليس رفضها فقط؛ لأن الرفض النظري الورقي لا يغير شيئا في الواقع العملي، وإنما الفعل المادي الإيجابي هو القادر على التأثير.
هؤلاء الشواذ إنسانيا واجتماعيا يرفعون راية الدين في ما يفعلون وهم أبعد ما يكونون عن الدين، ويرفعون راية الحقوق في تلك الأعمال السالبة للحقوق، بل إنهم يمارسون تلك الجرائم الشاذة في شهر الحرمات، الشهر الذي يقترب فيه المسلم من دينه أكثر من أي شهر آخر، ربما ومع ذلك نجدهم تحلو لهم ممارسات البعد عن الدين وعن الحق، فعن أي دين يتحدثون إذا كانوا يخالفون الدين بما يفعلون؟ وعن أي حقوق يطالبون إن كانت أفعالهم أبعد ما تكون عن الحقوق بمجملها، بل هي متناقضة مع الحقوق التي اتفقت عليها الأديان والمجتمعات وأهمها حق الإنسان في الحياة التي يسلبونها بتلك الأفعال الشاذة.
تحدثنا كثيرا من قبل وتحدث غيرنا أكثر في هذه الموضوع للتعبير عن الرفض وتبيان الخطأ والإجرام، ومع ذلك تستمر هذه الأفعال وترفض ترك المجتمع يميل إلى الهدوء، فهي لا تعيش إلا على الفوضى.
رحم الله الشهيد ومن سبقه وأسكنه جناته التي يسعى لها الجميع في هذا الشهر الفضيل وإنا لله وإنا إليه راجعون.