مرت يوم أمس الأول الذكرى الأولى للثلاثين من يونيو والحشد الشعبي الذي ملأ ميادين مصر من أسوان إلى مرسى مطروح رافضا الوضع الذي كان قائما ومطالبا بوضع آخر يعيد اتزان الحالة المصرية التي كان يرى المحتشدون أن ميزانها قد اختل، وما حدث كان تجربة فريدة وعملا مبتكرا لم يحدث من قبل خصوصا أن النظام حينها كان يقوم على فكرة “الصندوق” ويستمد شرعيته منه، وبالتالي لم يكن امام الجماهير الرافضة لما كان يحدث وما كان سيحدث إلا ان تلجأ لنفس الجهة وذات الشرعية التي كان يتحدث عنها النظام ذاته والتي لا زال مساندوه يعيشون ذات الصورة بالرغم مما حدث طوال الأشهر الماضية وتتعامل مع ذلك النظام بالموقف الشعبي القانوني.
لقد تحولت الشرعية بنفس الأدوات إلى جهة أخرى غير التي كانت قبل الثلاثين من يونيو أو الثالث من يوليو، وهو اليوم الذي أُسقِطَ فيه النظام المصري السابق أو الرئيس الأسبق محمد مرسي، وبتحول الشرعية مؤخرا وانتهاء الجزء الأكبر من خارطة الطريق التي وضعت حينها، بحدوث ذلك بدأ الحديث عن جرد الحساب والتساؤل عن الذي حدث خلال العام الماضي، وتقود عملية التساؤل أو جرد الحساب أو تشويه الصورة قناة الجزيرة التي لا زالت في الموقع التي وضعت نفسها فيه منذ البداية.
مع أن العام الماضي لم يكن عام إنجاز بالمفهوم السياسي والاقتصادي وهما الأساس في عملية جرد الحساب كون الوضع فيه كان وضعا انتقاليا حاولت فيه ومن خلاله جماعة الإخوان ومن التف معها أو نتج عنها، حاولت زعزعة الأمن والاستقرار بالوسائل والطرق كافة بهدف منع أي عملية تغيير أو تطوير ومنع التقدم بأي وسيلة كانت تعيق فيها النظام الجديد حتى من التفكير في المستقبل وليس صناعته، فالأمن مثل هاجسا خلال العام الماضي ومحاربة الإرهاب المصاحب له يمكن أن يعيق أي تفكير في صناعة المستقبل، من هنا يمكن البدء في عملية الجرد الحسابي الجاري الحديث عنه هذه الأيام وهي نقطة الأمن الذي مثل عامل هدم كانت جماعة الإخوان في مصر هي العامل المهم فيه، بمعنى أن الجرد يبدأ بالهدم الذي قامت به الجماعة في مصر وكان على النظام الجديد بعد 30 يونيو وقف ذلك الهدم قبل كل شيء.
الأهم من كل ذلك في هذا الجرد أن ما حدث في الثلاثين من يونيو قد أوقف المؤامرة التي تسير الخطى الحثيثة في هدم الوطن العربي وتجريده من أي عامل من عوامل القوة والتي لا زالت تعمل في مواقع كثيرة من المنطقة، ولكن الجائزة الكبرى في تلك المؤامرة التي تم وأدها بحركة 30 يونيو، ومن يفكر في هذه النقطة فقط يجدها أكثر من كافية في عملية جرد الحساب التي يتحدثون عنها، ويكفي القول كذلك أن تلك الحركة قد أعادت مسار الدولة إلى طريقه الوطني الذي أبعدت عنه سنوات طويلة قبل ذلك، الطريق الذي يرى النظام أن المواطن على جانبيه ووسطه وليس القوى الخارجية، بمعنى إعادة الدولة للمسار الوطني الحقيقي الذي يخدم الإنسان المواطن ويراه ماثلا أمامه لا أن يخدم الفئة المستفيدة من وجوده، الفئة التي لا تعرف الوطن ولا المواطن بل تعرف المصلحة وترى الربح فقط.
يكفي قول ذلك، والحديث عن تلكما النقطتين فقط، وقف المؤامرة وتحديد طريق النظام، فهما أهم من الكثير من النقاط التي يراد الحديث عنهما، ومن خلال هاتين النقطتين يمكن البدء في عملية بناء وطني حقيقي وصحيح، بناء يقوم على وطن مستقل صاحب قراره الوطني، وفي نفس الوقت وطن يعمل من أجل الإنسان المواطن قبل كل شيء.
أما الأمور الأخرى فمع أهميتها إلا أنها تأتي بعد ذلك كالدستور الذي أقر والانتخابات التي أتت برئيس جديد وبرقم شعبي مضاعف عما حدث قبل ذلك وتقارب عربي لا تعرفه جماعة الإخوان ولا تعمل عليه، والحديث عن جرد الحساب بصورة مخالفة لذلك فيه إجحاف بحق المواطن العربي.