العدد 2085
الإثنين 30 يونيو 2014
الديمقراطية... رؤية من الذات أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الإثنين 30 يونيو 2014

يمكن أن نفهم أن في بلد مثل بلدنا يمكن أن تمر التجربة الديمقراطية بحالة من المد والجزر، تتقدم أحيانا وتتراجع أحيانا أخرى في عملية صراع اجتماعي متواصل من أجل الوصول إلى المجتمع الأفضل، والتراجع عادة يكون طبيعيا نتيجة لصراع القوى بين فريقين، فريق يريد تعميق الحالة الديمقراطية وتطويرها والدفع بها إلى الأمام وهو الفريق القريب من المطالب الشعبية، وفريق آخر يرى فيها انتهاكا لحق اعتاد عليه مما يدفع به لمقاومة ذلك التطور وينجح في فترات معينة في إعاقة ذلك التطور وهو الفريق البعيد عن الحالة الشعبية والمؤجج للتفاوت الطبقي... هذه حالة طبيعية تحدث في أي مكان وفي جميع المراحل ولا غرابة فيها... ولكن المهم في هذا السياق هو الموقف الشعبي من التطور الديمقراطي، هذا الموقف تقع على عاتقه مهمة إزالة أية عقبة يمكن أن تقف في وجه التطور الديمقراطي وتمهد الطريق لنشوء مؤسسات ديمقراطية تخدم ذلك التطور و”تشعبن” عملية اتخاذ القرار – أي تجعله أكثر شعبية -، هذا الموقف الشعبي هو الآخر يمر بحالة من التردد في عملية الدفع نحو الديمقراطية نتيجة لعوامل خارجية تؤثر في توجه هذا التيار للديمقراطية أو تجعل منه عاملا من عوامل إعاقة هذا التحول الديمقراطي.
هذه النقطة هي المهمة حاليا وهي التي بحاجة إلى فهم أكثر من غيرها خصوصا ونحن نرى أن من يمثل القرار الشعبي ومن هو من المفترض به أن يساهم إيجابيا في عملية التطور الديمقراطي هو الذي يقف حجر عثرة في وجه هذا التحول وهو الذي يساهم في تكريس حالة غير ديمقراطية في المجتمع وبصورة غير مفهومة من قبل الكثيرين، نرى ذلك بكل وضوح في الموقف أو المواقف التي يتخذها المجلس النيابي عندنا في الفترة الأخيرة والتي من خلالها مثل أحد عوامل الانتقاص للديمقراطية بدلا من تمثيله عاملا من عوامل الدفع بها، هذه المواقف تخلق التساؤل عند المتابعين حول الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع والتي لا يمكن أن تخرج عن أولا الحالة التي خلقتها الأوضاع الأخيرة التي يمر بها الوطن منذ ثلاث سنوات وهي حالة رفعت من مستوى المطلب الأمني ليعلو على المطلب الديمقراطي، ولا نقول إن هذا صحيحا ولكنه واقع يجب التعامل معه، بل أوجدت لدى الفكر الشعبي صراعا داخليا بين التوجه الديمقراطي والمطلب الأمني، والأدهى من ذلك أن هذه الحالة غير المستقلة خلقت فهما خاطئا مفاده أن الوضع الأمني غير المستقر هو نتيجة للتوجه الديمقراطي، وهذا رأي خاطئ كذلك ولكنه واقع يجب التعامل معه.
من هنا تشابكت الأسباب والدوافع عند الجسم البرلماني المنتخب عندنا واستغل الحالة التي تحدثنا عنها ليتحول من جسد ديمقراطي إلى جسد ممانع للديمقراطية، وعندما نقول تشابكت الأسباب فإننا نعني أن هناك أسبابا ذاتية وراء تلك المواقف ولكنها رفعت السبب الأمني واستغلته في نوع من التبرؤ أمام الآخرين وإيجاد مبرر يمكن أن يكون مقبولا نوعا ما عند الجانب الشعبي وفي ظل الحالة التي نحن بصددها، ومن تلك الأسباب ما يمكن أن نسميه ضعف أو ضمور القدرة الذاتية على فهم الديمقراطية ومستقبلها والربط بينها وبين الحالة الأمنية وعدم الاستقرار، فالأغلبية العظمى الممثلة للجسد البرلماني بعيدة جدا عن الحالة الديمقراطية التي نتحدث عنها ونفهمها كما يفهمها أغلب المتابعين، بالتالي لم تكن تستطيع هذه الأغلبية فهم الأولويات في العمل البرلماني ولا التمييز بين الضروري والممكن، بين الضار والنافع في التجربة الديمقراطية، لذلك فهي تعمل وتتحرك تحت ضغط الحاجة الوقتية وليس المستقبل ومتطلباته، متجاهلة أو غير واعية بأن نتاج الحاضر هو الذي يحدد المستقبل وماهيته.
الأدهى من ذلك أن حركتها كما يبدو ليست فقط تحت ضغط الحاجة الوقتية العامة بل بالإضافة إلى ذلك تكون تحت ضغط الحاجة الذاتية الخاصة التي هي في حد ذاتها تمثل سيفا مرفوعا لمحاربة التطور الديمقراطي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .