في متابعة للشأن العراقي الملتبس على الكثيرين حاليا فإنه لابد من القول أولا وقبل كل شيء إن ما يتحدث به النظام في العراق عن الأحداث ليس صحيحا، وربما هو يذكر جزءا من الحقيقة التي يريد من ورائها الباطل كعادته بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت السبب الرئيس في ما يحدث في العراق نجدها تتحدث باستحياء عن هذا الذي يحدث؛ لأن الحقيقة التي يراد تغييبها كما قلنا ان الثورة قد اشتد عودها وفقد الشعب العراقي في المحافظات الغربية والشمالية الصبر على النظام، هذا هو الذي يحدث في الحقيقة، أما قضية هروب ضباطه وأفراده أمام زحف الثورة منذ أيام فلا يعدو لأحد سببين، إما أن يكون الضباط والجنود يعرفون الحقيقة ولا يريدون الدخول في قتال مع الشعب، وإما أن الجيش العراقي ليست له رسالة معروفة ولا أهداف واضحة مما يدفعه إلى الهروب من المواجهة في أول اختبار حقيقي له، فالجيوش لا تحارب من أجل الحرب فقط بل هي تملك هدفا ورسالة وتوجيها استراتيجيا وطنيا واضحا، وكل ذلك مفقود في العراق حاليا على عكس الجيش العربي العراقي الذي حله الاحتلال فور دخوله العراق عام 2003.
التصريح السعودي الأخير حول تلك الأحداث مختلف عن تصريح الجامعة العربية الذي تحدثنا عنه منذ أيام، فالسعودية لم تقل بضرورة الوقوف مع العراق حاليا ولكنها طالبت النظام هناك بالدخول في عملية إصلاح سليمة، وهذا ما يجب أن يحدث، فالموازين مختلة هناك وهذا الاختلال هو الذي تسبب في الثورة، وبالتالي فإن المملكة العربية السعودية ترى إصلاح السبب والباعث وليس النتيجة، فزوال السبب يزيل النتيجة تلقائيا، بل حتى تصريح الأمين العام للأمم المتحدة مؤخرا يصب في هذا الاتجاه حتى لو كنا نختلف معه في الكثير من تفصيلاته، إلا أنه في الحقيقة يختلف عن تصريح الجامعة العربية الغائبة عن الساحة العربية، وتصريح أو بيان العربية السعودية يصب في ما تحدثنا به منذ أيام عن ماهية الموقف العربي الذي يجب أن يتفهم أسباب الثورة في العراق ويقف معها وليس مع النظام العراقي غير الشعبي.
الدول العربية أخرجت العراق من الحسابات منذ ساهمت في الإطاحة بنظامه السابق وهي تدفع الثمن الآن، حتى أننا نجد أن الإدارة الأمريكية تتباحث حاليا مع إيران وتركيا في الشأن العراقي متجاهلة الدول العربية جميعها في إيحاء بانعدام الدور العربي أو عدم أهمية الموقف العربي حيال هذه القضية، وأن إيران وتركيا تحتل أهمية أكبر من الدول العربية في هذا الشأن كونها تمتلك دورا داخليا مؤثرا فيه، وربما لأن الإدارة الأمريكية ترى أن الموقف العربي يقوم عادة على ما تريده الأم أمريكا (حسب رأي تلك الإدارة) وأن الدول العربية تنصاع دائما لما تريده تلك الإدارة، وهذا يجعل الفرصة سانحة لهذه الدول لتعديل الصورة المائلة أو المعكوسة ويدفع بها لاتخاذ موقف أكثر واقعية وأشد صرامة مما يجري في العراق حاليا وليس مواصلة الموقف المساند للنظام هناك والنابع من الرغبة الأمريكية.
هناك أمر مهم وحيوي في هذا السياق ويمكن أن يشكل الموقف العربي وبالذات الخليجي من الأحداث الأخيرة في العراق، وهو أن النظام الحالي ساهم ولا زال يساهم ويعمل بكل طاقته على التقسيم الطائفي للمنطقة ويعمل حاليا على إشعال حرب طائفية، وإذا فهمنا التركيبة الداخلية للمنطقة فإننا نفهم تأثير ما يدعو إليه المالكي ونظامه الذي تنادت بعض الدول للتعبير عن دعمها له وأن هذه الحرب من المقرر لها أن تشعل المنطقة في صراع لن ينتهي في سنة أو سنتين ولا حتى عشرات السنين بل سيمتد طويلا ويحرق كل ما أنجزته دول المنطقة ولن يخرج منه أحد منتصرا، فهل هذا ما تريده تلك الدول التي تنادت لدعمه وهو الهدف الذي يعمل عليه أعداء المنطقة وفشلوا فيه حتى الآن... شيء من التفكير... والله أعلم.