قبل كل شيء يجب القول إنه من الواضح أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه في العراق بعد التطورات الأخيرة، فما كان لن يعود وستتغير الصورة السياسية وربما معها الاجتماعية، ولكن كيف؟ وإلى أي شكل ستتحول الأمور... هذا ما يبدو أنه بيد الدول العربية أكثر من غيرها، بيدها أن تمنع الحرب الطائفية المقرر لها أن تقع والتي تدفع إليها كل من الولايات المتحدة الأميركية ومعها إيران، وكلتاهما تهدفان للسيطرة على المنطقة، كل على الصورة التي يريدها، وتبقى دولنا العربية وعلى رأسها الخليجية تائهة تتقاذفها الأمواج ولا تعلم ما عليها فعله وكيف لها أن تتعامل مع هذه القضية مع أنها واضحة كل الوضوح لمن يتابع ويفكر في ما يجري ويضع المستقبل أمامه، فشبح داعش يهيمن على جزء أو حيز كبير من القدرة على اتخاذ القرار وكأنها خيال يراد به إخافة من يمكن أن يخاف خصوصا أن القتال على مسافة قريبة من هذه الدول.
أول الأهداف التي يجب أن نفكر فيها هو منع وقوع الحرب الطائفية التي يراد لها أن تحدث، وذلك لا يكون إلا بخلق التوازن الطبيعي في الداخل العراقي وعدم إطلاق يد الإجرام التي عاثت فيه خرابا وتمزيقا طوال السنوات الماضية بيد النظام الحالي، فوجود ظالم ومظلوم... مستبد وضعيف، وغير ذلك من المتناقضات يخلق الصورة القاتمة عند الطرف الضعيف ويدفع به إلى العمل بكل طاقته على وأد – وليس منع أو وقف هذه الحالة الاجتماعية السوداء، وهو ما يخلق العنف الذي وصلنا إليه، بالتالي فإن دعم النظام الحالي – كما سمعنا من بعض الدول مؤخرا – سيجعله يزيد من استبداده وبالتالي تزداد الهوة العميقة الموجودة مما يزيد من الفتنة، خصوصا إذا فهمنا أن الظلم الحادث والاستبداد المرافق له منبعه التفريق الطائفي بالأساس إضافة إلى أشياء أخرى غير ذلك، من هنا وجب علينا فهم كيف نمنع وقوع الحرب الأهلية، حيث يكون ذلك بدعم الثورة الحقيقية – وليس الأطراف المتطرفة – ومنع انزلاق الوضع إلى الحالة السورية.
كما قلنا أمس إن المملكة العربية السعودية كما نفهم من تصريحات المسؤولين فيها واعية لما يحدث ومدركة لعواقبه، لذلك نجد المالكي يكيل الاتهامات الباطلة لها في محاولة لتبرير فشله وفساده في إدارة الدولة العراقية، ولكن الغريب هي تلك التصريحات الأخرى من دول خليجية أخرى مازالت بعيدة عن الواقع العراقي والعربي والتي تدعو لدعم هذا النظام الفاسد البعيد عن البيت العربي.
طعنات كثيرة وجهها النظام العربي طويلا للجسد العربي، ولولا حيوية الأمة وقدرتها لكانت حالتها أسوأ بكثير مما هي عليه الآن، والغريب أن أكثر تلك الطعنات كانت بيد النظام العربي نفسه، وحان الوقت وبعد المخاض الشعبي الذي حدث في هذا الجسد وخلق حالة مختلفة عما كانت عليه، حان الوقت ليتوقف هذا النظام عن محاولات قتل النفس المستمرة والوعي الصحيح بحاجة الوطن والأمة وفهم متطلبات المستقبل التي لا تنفصل عن الحالة الشعبية التي نعيشها، والفرصة كما قلنا بالأمس غدت مواتية حاليا وفي العراق لعلاج الطعنات التي وجهت في السابق، أو على أقل تقدير التوقف عن مواصلة الطعن في النفس أو الجسد العربي، وذلك بفهم الحقيقة كما هي في الساحة العراقية ونزع القناع الذي تضعه الولايات المتحدة الأميركية على عيون النظام العربي الذي عليه أن ينفض الغبار ويقول للجميع كفى.
الشارع العربي بمجمله ليس مع النظام العراقي – عدا القلة القليلة ذات النفس الطائفي، أما الكثرة الوطنية في ذلك الشارع فهي على وعي بحقيقة الأحداث، وهو ما يجبر النظام العربي على الوقوف مع الثورة العربية في العراق إن أراد رضى الشارع عنه، وهو الشارع الذي يحمي النظام وليس القوة الخارجية... قلنا ذلك كثيرا قبل الآن ولكن لا بأس من تكراره... والله أعلم.