أشد ما يصيب البيت من أخطار هو ما يصيبه من الداخل من الذين ينتمون إليه.
بعد خطبة عيسى قاسم الأسبوعية المكررة يوم الجمعة الماضي كتب أحدهم تعليقا في خانة التعليقات بجريدتهم أنقله حرفيا كما هو... كتب الأخ: “أنا بصراحة ما أعرفه هو رجل دين أو هو قائد للمعارضة التي من بين صفوفها العلماني والليبرالي والشيوعي. هؤلاء لا يتفق معهم الشيخ ولا هم يتفقون معه قد يقبلون ببعضهم مرحليا تكتيكيا لكن لا أظنهم يقبلون أن ينطق باسمهم. ان تصريحات الشيخ وتدخلاته في السياسة هي التي جعلت اليسار ينشق على بعضه البعض وهي التي خسر الناس بسببها الكثير. فإلى متى يبقى الشيخ ينطق باسم المعارضة وإلى متى يبقى يتدخل في السياسة وينطق بها أكثر من أن يتكلم في الدين المجال الأساسي له”.
“برافو عليك يا هذا”.. تحديت من يدعي أنه صاحب الزعامة ويتحكم بالمصائر والأقدار وقلت كلمتك بكل شجاعة وبالتأكيد هناك غيرك سيقولها وستكبر كرة الثلج المدمرة. سبحان الله إن أحد أتباع عيسى قاسم صحا ضميره وقال إلى متى سيبقى يتدخل في السياسة وينطق بها أكثر من أن يتكلم في الدين وهو مجاله، وكيف يسمح “اليساريون” من المعارضة لرجل دين أن يتحدث بلسانهم ونيابة عنهم؟
بالفعل شيء غريب وأوضاع غير مفهومة إطلاقا، كيف للشيوعي بكل توجهاته ودعواته أن يتفق مع رجل دين ويتبعه ويجعله يتحدث باسمه ويعبر عن تطلعاته في قضايا سياسية لا يفترض أن يتدخل فيها رجل دين لأنها خارج اختصاصه.
كيف للعلماني أن يقبل على نفسه هذه التبعية والتعارض الفادح في التوجهات والعقلية؟ ما الذي يجعل الشيوعي والعلماني في الجمعيات السياسية المعارضة يقف تحت الشمس الحارقة للتصفيق لعيسى قاسم بعد كل خطبة واعتبار كل ما يقوله شيئا يغور في الأعماق وله دلالات روحية؟
الذي نعرفه ان المناضل الشيوعي والعلماني يختار الطريق الذي يظل فيه ولا يغيره حتى تنتهي حياته، وأكثر من ذلك فهو مشدود إلى توجهاته بشكل حاسم.
كيف أتى عليكم اليوم يا من تدعون الشيوعية وأنتم تعرفون أنفسكم جيدا في تلكما – الجمعيتين - بأن تنحازوا إلى أصحاب العمائم وتستلهمون الدروس من منابرهم وأيديولوجيتهم، وبالأخص أصحاب العمائم التي ترتبط بالنظام الإيراني المجرم وتنطق باسمه وتتحدث نيابة عنه؟ ما هذا التحول الغريب في شخصياتكم بالضبط؟ هل بإمكاننا أن نقول إنكم تخترعون لغة جديدة تماما؟ ما سر هذه المأساة التي تعيشونها ورصيد المصائب والمتاعب الذي يزداد كل يوم بشكل مخز؟
كنتم تدّعون في السابق وعلى مر سنوات المشروع الإصلاحي لسيدي جلالة الملك أنكم صوت عريض – للتقدمية - وتنقلون رسالة الإنسان بكل تفاصيلها بعيدا عن خوارق المتشددين من أصحاب العمائم، وإذا بكم اليوم ترتدون العمامة نفسها التي كنتم تنفرون منها وتتسمرون أمامهم لتستمعوا إليهم!
أين ومتى حصل هذا؟ في البحرين خلع الشيوعي قميصه وارتدى قميص المعممين وكان رفيق سفرهم، وسفرة وفد المعارضة الأخيرة حملت هذه التشكيلة الغريبة التي لا تركب على بعضها.
عموما من بين التعليقات على خطبة عيسى قاسم تذمر من الأسطوانة المشروخة التي يعيدها كل جمعة. استياء واضح من الضحك على العقول واستغلال البسطاء، عيسى قاسم ترك الوعظ والإرشاد وتحول من خطيب ورجل دين إلى رجل سياسة، حتى أن 99 % من خطبه تتناول الأوضاع السياسية التي مكانها أروقة الجمعيات السياسية والتجمعات وليس المساجد والمآتم. ولهذا كان من الطبيعي أن يخرج عليه أحد من أتباعه ويقول له لماذا تتدخل في السياسة وتترك عملك الأساسي. بمعنى ان كل من يستمع إلى خطب عيسى قاسم لا يذهب للوعظ والإرشاد كما يفترض أن يكون، وإنما إلى محاضرة سياسية تحريضية من الدرجة الأولى، وغالبا ما تكون في المحاضرات وجهة نظر واعتراضات وهذا ما حصل مع الأخ صاحب التعليق.