عندما نعيش اليوم أجواء التخبط في السياسات العالمية والإقليمية التي تقودها أميركا مع اعوانها في المنطقة العربية، يطل التساؤل الحائر حول ان كان هذا التخبط دليلا على مخاض ولادة قوى جديدة تقلب كل ما تعارف عليه في السياسات العالمية المستعمرة وهندستها حتى وقتنا الراهن، أو أن تظل المعادلة مفتوحة على بقاء التشرذم الحاصل لصالح دول المركز التي تعاني هي الأخرى من تحولات في علاقاتها مع الشرق الادنى وتحولها نحو الشرق الأقصى على الاقل في التصريحات التي تبدو معلنة من الدولة القائدة للرأسمالية العالمية في صيغتها المعولمة (أميركا).
ترسبت في ذهن العالم فكرة مفادها ان كل ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية بحكم انها اقوى دولة مهيمنة على الاتجاه العام للعالم الرأسمالي بأنه صحيح ويقاس عليه في السياسة الدولية، ذلك أنها أي الرأسمالية باتت بلا منازع منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وتحولات الصين الكبرى نحو اقتصاد السوق. إن تلك الهيمنة تظل عامة على الرغم مما يمكن ملاحظته من الصراعات التي تدور بين مراكز الرأسمالية التي تُسير اليوم كل شعوب العالم بمختلف السياسات التي يقاس على مدى صحتها، وبالتالي يجب اخذها بعين الاعتبار وجعلها بمثابة مقياس لكل ما يدور في العالم معها وحولها.
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وما تبعه من انهيار للمنظومة الاشتراكية، وبدء روسيا بلعب الدور الرأسمالي الذي دخل في صراع من اجل اعادة الدول التي انفصلت عنه على اعتبار أنها الحديقة الخلفية للرأسمالية الروسية الصاعدة، بينما بدأ التحول على احجام الصين عن اخذ دور فاعل لها في قيادة العالم وبدأت تدخل الصراع على القارة السوداء من خلال تفعيل الأدوار الاقتصادية عبر الاستثمار، بينما ظلت اميركا وحلفاؤها من الدول الاوروبية يهندسون سياسات العالم الثالث السياسية والاقتصادية. واستمرت ثقة دول العالم الثالث بهم خصوصا الدول المرتبطة بأميركا اقتصاديا وأمنيا بشكل تعمق منذ اضمحلال دور الامبراطورية البريطانية النسبي في المنطقة على الرغم من محاولتها استعادة الدور، ولكن الأزمة الأخيرة عصفت بكثير من الدول التي كانت تدور في فلك اميركا.
ورغم العديد من الدلائل التي كانت تشير الى تخبط السياسة الأميركية منذ عهد الرئيس بوش الاب في منطقة الشرق الاوسط والذي راهن على التعامل مع المنظمات الاسلامية المتشددة وعلى رأسهم تنظيم القاعدة، إلا ان اميركا استمرت في سياساتها العبثية والمتهورة التي دشنتها بسياسة بوش الابن “الفوضى الخلاقة” ويبدو ان الفوضى تغلبت على عملية الخلق والابداع، فتحولت سياسة اميركا في الشرق الاوسط الى سياسة تخبط وفوضى بامتياز.
ويبدو أن محاولات اميركا منذ بوش الاب عبر عمليات الحفاظ على مصالحها في منطقة الشرق الاوسط عبر ترميم قدر ما تستطيع في انظمة آيلة للسقوط ضمن سياسة اطلقت عليها “دمقرطة الشرق الأوسط” ويبدوا للمراقبين أن النتائج التي نراها اليوم تعبر عند البعض على أن هذه السياسة لم تكن في الحقيقة دمقرطة الانظمة الاستبدادية في المنطقة بقدر محاولة تزيينها من الخارج، وإبقاء الفساد من الداخل ينخرها، بينما كانت تعد احد الأمرين إما استمرار الموجود أو الفوضى المطلقة عبر الحركات الدينية التي لا تمتلك افقا لبناء الدولة الحديثة، حتى ان اميركا مؤخرا تغاضت عن التهديدات الارهابية لتنظيم القاعدة بل وتغاضت عن كل القوى الاقليمية التي كانت تغذيها وتشد من ازرها، ورأت ان تقوية تنظيم الإخوان هو البديل المثالي للقضاء على تطرف القوى الإسلامية الأخرى وأفكارها، متناسية ان هذه القوى بدأت تشب عن الطوق ولم تعد حتى الدول التي رعتها قادرة على لجمها متى انطلقت أو حتى تنظم حركتها وعشوائيتها المدمرة، فهل تكون بشاعة فعل داعش والقاعدة العامل الحاسم لانقلاب جديد في القوى السياسية المهيمنة؟.