لعل أوراق البردي المصرية منذ أربعة آلاف سنة كانت أول نشرة أو جريدة أو صحيفة تنقل عبرها الأخبار. والبعض الآخر يرى ان جلسات النساء في ضحى النهار وعلى اصوات فناجين القهوة وهي تدور كانت الاخبار تتناقل بكل تفاصيلها، فكانت هذه الجلسات عبارة عن نشرات اخبارية لكل الاخبار المحلية. ومن كل هذا يبقى الأكيد ان الصحافة بدأت بتقصي الاخبار ونشرها لتصل لمرحلة تحري الدقة في نقل الاخبار وتحليها ولتنتقل من الأخبار المحلية والاجتماعية إلى الاخبار الثقافية والاقتصادية إلى السياسية، ولعل الحربين العالميتين الأولى والثانية لعبت دورا كبيرا في تطور الصحافة وتنوعها، فعوضا عن الصحافة المكتوبة في شكل جريدة أو مجلة أو نشرة توسعت الصحافة مع تقدم الاختراعات بسبب الحربين فظهرت الصحافة المسموعة والمرئية لتنتقل إلى مرحلة الصحافة الالكترونية مع التقدم التقني وظهور الكمبيوتر والانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن الطبيعي ان يتقدم دور الصحافة مع تقدم ادواتها، فبعد ان كانت ناقلا ومحللا للأخبار توسعت لتصبح من اهم الأسلحة المؤثرة في الرأي العام حتى اطلق عليها اسم السلطة الرابعة. ولما اصبحت الصحافة لتمددها وتعدد ادواتها جهازا إعلاميا كبيرا تقاس ديمقراطية الدول بحرية التعبير التي تتمتع بها صحافتها وإعلامها بشكل عام. ولعل هذه القوة المؤثرة هي التي طبعت طريقة التعامل معها من قبل السلطات السياسية فنرى الدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية حقيقية وضعت العديد من النصوص الدستورية التي تضمن حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الحصول على المعلومة حتى اصبحت المؤسسات الاعلامية سلطة يهابها السياسيون والفاسدون لأنها تمثل ضمير الأمة الحي. اما السلطات السياسية في الدول الاستبدادية فوضعت العديد من القوانين والعقبات التي تحد من تمددها وتأثيرها. بينما سيطرت بالكامل على كل ادواتها بحيث لا يمكن السماح بنشر او نقل اية معلومة او تحليل إلا بعد موافقتها. ففقدت الصحافة في هذه الدول دورها وأصبحت جهازا تابعا بشكل غير مباشر لوزارات الداخلية تحركه بما يتناسب وسياسة تلك الدول.
وبقدر ما مثلت الصحافة بكل ادواتها الوجه الواضح للديمقراطية في الدول الغربية، بقدر ما مثلت الوجه القبيح في الدول الاستبدادية، فأغلب الصحف إما صحف صفراء تنشر الأخبار بطريقة ملتوية وفاقدة لكل القيم المتعلقة بالحريات الشخصية أو صحف تكون ابواقا للسلطات الاستبدادية تأتمر بأمرها؟ أما الصحف او الصحافيون الملتزمون بالحقيقة فتتم مطاردتهم وفي بعض الاحيان تصفيتهم.
ولعل توتير والفيسبوك وغيرهما من آليات التواصل الاجتماعي التي استطاعت ان تتخطى الدول الاستبدادية وقوانينها من خلال فضح استبدادها وفسادها، حدى بأغلب هذه الدول لأن تضع رقابة شديدة عليها بحيث اصبح كل مواطن يحاول استخدامها لفضح استبداد الدولة يلقى مصيرا مظلما بين السجن والتصفية. وأصبحت الصحافة والإعلام عوضا عن أن يشكلا اداة لحرية التعبير والموضوعية، اصبحا اداة بيد السلطات السياسية لهذه الدول للتأثير على الرأي العام وتوجيهه وتزييف الحقائق بحيث اصبح الاستبداد يلبس ثياب الديمقراطية، بينما ظل النضال من اجل التغيير ومحاربة الفساد والمطالبة بالخبز والعدالة الاجتماعية والكرامة ورفع سقف الحرية مطالب ارهابية تجب محاربتها، والقضاء على أية معارضة بوصفها تهديدا للأمن والاستقرار الداخلي. فحيث تستخدم المعارضة الصحافة وأدواتها لفضح الاستبداد، نرى الحكومات المستبدة تقوم ايضا باستخدام نفس الأدوات لتضليل الرأي العام وتزييف الحقائق. حتى اصبح المواطن تائها بين ما يصدق ويؤمن به كنتيجة لقوة الإعلام السلطوي وهيمنته وتأثيره المباشر على المواطن.
ان الصحافة الحرة النزيهة التي تمثل سلطة رابعة لا يمكن ان تتحقق في ظل سلطة استبدادية مهيمنة. فحرية الكلمة تتطلب ثمنا باهظا مازال يدفعه كل صحافي شريف إلى يومنا هذا.