العدد 2069
السبت 14 يونيو 2014
الديمقراطية وما لا يصلح زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 14 يونيو 2014



لطالما ردد أغلب الناس عبارة “الأهم الأساس” والمعنى المقصود هنا هو إذا كان أساس أي شيء قوي ومتين فما يبنى فوقه سيصمد لفترات زمنية طويلة اضافة الى قدرته على تحمل التغيرات والتعديلات خلال هذه المسيرة الزمنية. وهذا ما قد يقال عن الديمقراطية. الديمقراطية هي شكل من اشكال النظام السياسي الذي يحقق المساواة للمواطنين. هذا الاختراع اليوناني القديم الذي ضمن ان يسود رأي الأغلبية ضد الأقلية. ولعل هذا العنصر في الديمقراطية اي حكم الأغلبية على اهميته وعلى تعبيره عن مسألة المساواة إلا انه رغم ذلك اهمل صوت المرأة والعبيد عند تطبيقه منذ القرن الثامن قبل الميلاد. فرغم ان الغالبية في الديمقراطية تعني حكم الشعب، إلا ان المرأة والعبيد لم يكونا يوما من الشعب حتى التاريخ الحديث، حيث استطاع العبيد التحول لمواطنين في اعتى الدول العنصرية في العالم وأن يكون للمرأة دور مساو للرجل في الحقوق والواجبات. هذا التحول والتطور الى الامام في الديمقراطية الغربية جاء لأن مشروع الديمقراطية كان منذ البداية ذا اساس متين قابل للتغير والتعديل ومازال إلى وقتنا الحاضر يعدل حسب تطور الشعوب المؤمنة بهذا النظام بحيث يظل دائما قادرا على تلبية احتياجاتها. وهذا ما يجرنا إلى التساؤل حول الوضع العربي وموقفه من الديمقراطية، هل الديمقراطية كنظام للحكم لا تتناسب مع وضع المجتمع العربي كما يشاع ويقال يوميا له، كلما ناضلت الشعوب العربية من اجل الديمقراطية. هل فعلا تحتاج الديمقراطية لعقود زمنية حتى تنضج وتصبح صالحة ومقبولة من المواطن العربي! هل المواطن العربي فعلا غير قادر على فهم وهضم الديمقراطية لأنها تتعدى قدراته العقلية على الفهم والاستيعاب لذلك يخطئ في تطبيقها! ام ان تطبيق الديمقراطية من الصعوبة بمكان بحيث لم يعد هناك مكان لتطبيقها. لقد اصبحت الديمقراطية اللعنة التي تصاحب الرؤساء وبعض الاحزاب العربية الموالية، وتحولت تبريراتهم لفشلهم في دعم التحول الديمقراطي في بلدانهم إلى عبارات تشي بمدى ضعفهم وفسادهم السياسي، انت لا تستطيع ان تدعي بأن نظامك السياسي ديمقراطي فقط لوجود برلمان منتخب حسب فرمانات خاصة تصنعه، او محاكم مستقلة انت من تعين قضاتها وتقصيهم متى تشاء، ولا تكون هناك ديمقراطية في وجود منظمات مجتمع مدني مكبلة بأسوأ القوانين التي تجعلها غير قادرة على تحقيق اهدافها، كما لا يمكن ان تدعي ان نظامك ديمقراطي وانت تسيطر على كل الإعلام المرئي والمسموع وتحد من حرية استخدام كل ادوات التواصل الاجتماعي لحماية سياساتك رغم انها مرفوضة شعبيا، لا يمكن ان تنتعش الديمقراطية في ظل آلة امنية عوضا عن ان تحمي المواطنين تمعن في تعزيز شعورهم بعدم الأمن والعدالة من خلال القبضة الامنية المستمرة التي تحرص على ان لا يروا ولا يسمعوا ولا يقولوا إلا ما تبصم عليه السلطة السياسية.
كيف يمكن ان نلوم الشعوب العربية على تكرارها الدائم بعدم وجود ديمقراطية حقيقية وهي تعيش ضمن مجتمعات منقسمة على نفسها من الناحية الإثنية والدينية والطائفية ولا بصيص لحل هذه المسائل من قبل السلطة السياسية التي مازالت ترفض تشريع اية قوانين تحارب العنصرية والطائفية والتمييز والعنف ضد المرأة والطفل. كيف يمكن لمجتمع ان يعي ان الديمقراطية لصالحه وعاصر تحولات سياسية عديدة من سلطات وطنية منتخبة إلى نظم دكتاتورية إلى حركات قومية لم يتبن اي منها اي مشروع للديمقراطية والعدالة الإنسانية.
إن تاريخ اي شعب يشي بمستقبله وتاريخ الشعوب العربية كان دائما تاريخا ممزوجا بالانتفاضات والانقلابات ولكنه لم يكن يوما تاريخا يحمل في مشاريعه اي توجه للديمقراطية بشكلها القديم او الحديث حتى جاءت ثورات الربيع العربي لتنادي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ففي هذه الثورات لم تناد الشعوب العربية بلقمة العيش فقط بل بالحرية والعدالة الاجتماعية وهذا ما لم تواجهه الأنظمة الاستبدادية العربية من قبل حيث مسألة لقمة العيش بالإمكان تعويضها بالبسكويت ولكن الحرية والعدالة الاجتماعية تعني تغير النظم السياسي قاطبة وبالتالي عوضا عن ان تكون هذه الثورات ضمير الشعوب العربية التي تدفع باتجاه التغير والتنازل عن القليل من سلطتهم لصالح استمرارهم، عوضا عن ذلك اصبحت هذه الثورات العدو الأول الذي يجب محاربته فأصبحت هذه الثورات بقدرة قادر عدوة الديمقراطية والأمن وعدوة الشعب. وعندما تكون جائعا وغير متعلم ومهزوما من الداخل بحكم عقود من الاستبداد والتميز والعنصرية يصبح من السهل التلاعب بكل افكارك وقيمك فعوضا عن ان تتحول الثورة إلى اداة لمستقبل افضل تتحول بقدرة الإعلام السلطوي إلى السبب الوحيد لبؤسك وعذاباتك فتكون اول من يردد لا للديمقراطية نعم للاستبداد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .