العدد 1684
السبت 25 مايو 2013
عودة المارد إلى القمقم زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 25 مايو 2013


لم يكن بإمكان الدول العربية مجتمعة أن تهزم عصابات الهجانة، ليس لقوة الأخيرة في عام 1948 ولكن لضعف تنظيم الجيوش العربية من جهة، وإشراف وتنظيم دولة عظمى اعطت وعد بلفور لقيام دولة الكيان الصهيوني. كان التمويل المادي والمعنوي وصمت الدولة الاستعمارية العثمانية المهيمنة على البلاد العربية في تلك الفترة وضعفها وبداية زوالها ما قاد نحو اعلان قيام دولة صهيون. لم يكن التوازن العسكري من حيث التفوق التكنولوجي في خدمة الجيوش العربية التي دخلت ضد دولة الكيان الصهيوني في معركة خاسرة عام 1967، فانتقلت الدول العربية المشاركة في تلك الحرب من النكبة إلى النكسة، وهو الأمر الذي خلق تحولات كبيرة في المنطقة العربية على صُعد مختلفة من خلال طرح وإعادة طرح الاسئلة على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكن اعمق تحولاتها كانت في الجانب السياسي. ثم جاء احتلال الكيان الصهيوني لعاصمة عربية ثانية هي بيروت، وما كان حصار بيروت هو حصار مدينة عربية ثانية سقطت بعد القدس عاصمة فلسطين التاريخية، وإنما هو صك هزيمة لكل الانظمة العربية التي باتت تعد نفسها لتكون دولة من دول الطوائف تحكمها دولة طائفة الطوائف في فلسطين المحتلة كما يقول عبدالرحمن منيف.
تبدو فلسطين في عيون العرب منذ استفاقتهم الأولى انها القضية المركزية، قضية حولت فلسطين في المخيل العربي من دولة ذات مساحة صغيرة الى دولة متناهية الاطراف مما اعطى لدولة اسرائيل في المتخيل العربي امتدادا بعيدا عن الحقيقة. فدولة صهيون قامت على ما يتجاوز نصف فلسطين التاريخية، وهي في حقيقتها مساحة صغيرة تماما، ولديها عدد صغير من السكان الذين ينتمون لها من الناحية الجغرافية، ومصابة بهدر هائل من خلال الصراع القائم بين المحتلين الصهاينة وسكان البلاد الاصليين في صراع محموم لا يهدأ للسيطرة على الكتلة السكانية من جهة والوصول إلى حالة من التعداد السكاني يعتقد المحتلون انه يشكل ضابطا للصراع التاريخي وبيضة القبان في الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة، على الرغم من تناقص اعداد المهاجرين إليها من شتى اقطار العالم خصوصا من دول الاتحاد السوفيتي السابق. تلك الدولة الصغيرة والتي تقوم على مساعدات الغرب التقنية والمادية لعبت دور الدولة العظمى في المنطقة، ويمكن للمراقبين رصد تكرار تلك الحالة في منطقتنا العربية.
ويبدو أن الاحداث خلال القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين تسير في اتجاه معاكس لذلك الدور الذي لعبته دولة الكيان الصهيوني خلال 65 عاما باعتبارها جبهة متقدمة للهيمنة الاستعمارية على المنطقة، وذلك بتغير طبيعة تلك الهيمنة من جهة وتعدد الخضوع لجهات مهيمنة أخرى. كما باتت التجربة العربية مع هذا التغير تعكس امكانيات مفتوحة على الفعل ورد الفعل على مستويات متعددة، فمنذ هزيمة الصهيونية، وتوالي تلك الهزائم على يد المقاومة اللبنانية واسترجاع الحزام العازل في جنوب لبنان، وصد هجماتها عليه في 2006، والرد القاسي الذي تلقته في هجومها على قطاع غزة مؤخرا، شكل كل ذلك علامة بارزة على استيعاب الدرس التاريخي لضرب العراق لدولة الكيان الصهيوني بالصواريخ، وحرب اكتوبر المجيدة اسقطت نظرية الكيان الصهيوني عن الامن واوقف الهجمات التي كانت تشكل نزهة لجيش الدفاع الصهيوني في شتى البلاد العربية دون المساس بالجبهة الداخلية له، وذلك ما عبر عنه المستوطنون باستغراب بقولهم كأننا في حرب حقيقية، ذلك أنه لم يجرب ان تدك مدنه في السابق. في كل ذلك نلمس عودة الكيان الصهيوني إلى قمقمه بعد أن كان المارد المخيف لكل الدول العربية. ويبدو انه يتحول تدريجيا إلى دولة نفطية ستعامل كما تعامل سائر الدول النفطية في المنطقة من فرض تبعية عليها من اجل امتصاص الفائض الذي يمكن ان تشكله حقول الغاز في المناطق المتنازع عليها بين قبرص ولبنان ومصر، واحتمال قيام حروب من اجل الغاز في القريب العاجل، كما بتنا نرى التنازع بين شركات النفط الكبرى في محاولة للهيمنة على تلك الحقول من خلال الاستثمار المبكر فيها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية