العدد 2082
الجمعة 27 يونيو 2014
نهاية عالم البديهيات خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 27 يونيو 2014

مر الكون بثلاثة انفجارات كوسمولوجية وبيولوجية وثقافية ويعصف به اليوم انفجار علمي يمشي على وتيرة تسارع يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار.
قبل 13,7 مليار سنة ضوئية ولد الكون من انفجار عظيم في جزء من سكستليون من الثانية، في حيز أقل من بروتون واحد، على شكل طاقة مهولة، ثم برد فشكَّل كل المجرات فقال له الله كن فكان.
وقبل 530 مليون سنة تدفقت عديدات الخلايا تدب على المعمورة فتكاملت في أقل من 10 ملايين من السنين عددا فقال لها الرب كوني فكانت.
وقبل 200 ألف سنة بدأ الإنسان الحديث الزحف من شرق أفريقيا ليسكن كل المعمورة، في رحلة انتهت قبل 12 ألف سنة بعبور مضيق بهرنج إلى ألاسكا فالأميركيتين، وخلال فترة قصيرة تم اختراق ما يزيد عن عشرين حقلا معرفيا في قطاف شهي لفاكهة جديدة وأبَّا.
تم الإعلان عن الاستنساخ الجسدي من سكوتلندا بنعجة دوللي، ويبشر (لي سيلفر) من أميركا بعصر الاستنساخ الإنساني في مدى سنوات، وبذا ينفصل الإنجاب عن الجنس، في تحطيم عقيدة قديمة من ارتباط الجنس بالإنجاب في آلية لا فكاك منها اخترعتها الطبيعة قبل 500 مليون سنة، وأودعها الخالق في كياننا في طاقة لحوحة لمتابعة إنتاج أنفسنا ومن كل شيء خلقنا زوجين.
دفع هذا المفهوم الى ظهور الثورة الكيميائية على يد (كارل جيراسي) بإنتاج حبوب منع الحمل قبل أربعين سنة وأخيرا حبة الفياجرا الماسة الزرقاء.
وفي معهد (سيرن CERN) للفيزياء النووية من جنيف أعلن (أولرت OELERT) عن تصنيع مضاد المادة بصورة مقلوبة جداً إذا اجتمعت بالمادة تولدت طاقة لم يحلم بها أحد.
ومشي مشروع (هوجو HGP) بتعاون عالمي لفك مغاليق أسرار الشيفرة الوراثية للخلق، بمعرفة ثلاثة مليارات حمض نووي في كروموسومات النواة لها طلع نضيد بما يزيد عن مئة ألف ثمرة من سطور الخلق لتشكيل كامل الخارطة البيولوجية لعالمنا البهيج.
وتم العثور على بصمات الحياة فوق حجر أبق من المريخ فحلق في أجواز الفضاء في رحلة اوديسا كونية قبل أن يرتاح فيأوي الى برد القطب الجنوبي قبل 13 ألف سنة، وبواسطة مركبة الباثفايندر تم الهبوط على ظهر الكوب الأحمر لتندلق عربة السوجرنير الأنيقة تلتمع على ظهرها مئتا حجرة ضوئية لالتقاط حزم الطاقة تتأمل سطح المريخ بعيون ثلاثية الأبعاد وتنحني تشم أغبرة المريخ الحمراء العابقة بأكاسيد الحديد فتقول: لا المس مس أرنب ولا الريح ريح زرنب.
وبدأت جراحة الجينات على يد (خورانا) فأمكن تسخير أقذر البكتيريا التي تنشر رائحة البراز الإنساني ليكتشف أنها أفضل مصنع لإنتاج الأنسولين البشري، ويحلم الأطباء في تسخير هذا الفن بعد كشف كامل الخارطة الوراثية في التخلص من 800 مرض وراثي في جراحات خلوية على الخلية الملقحة الأولى قبل أن تتابع دورة انقسامها وتخصص خلاياها لتتضاعف الى مئة مليون مليون خلية في 210 أنواع من الأنسجة.
واكُتشفت ساعة الموت (تتك) في برنامج الخلايا من خلال تآكل نهاياتها عبر بروتين (التيلومير) ما يشبه نهاية (شواطات الأحذية) وأمكن للثنائي (جيري شاي وودرنغ رايت) من استنساخ ترياقه المضاد (التيلوميراز) وحقنت به الخلايا فعاشت في عمر مديد وصحة وافرة تذكر بقصة أصحاب الكهف في إطالة الأعمار.
وبدأت رحلة كشف الكواكب بما فيها العثور على كرة أرضية توأم لنا على بعد عشرة آلاف سنة ضوئية من خلال ظاهرة الترنح النجمي. ونبش من الأرض الانثروبولوجي الأميركي (تيم وايت) في شرق الحبشة عن أقدم إنسان يمشي منتصباً ضرب الرقم القياسي في الزمن السحيق عاش قبل 4,6 ملايين سنة أعطاه اسم (أرديبثيكوس راميدوس).
ونظر في النجوم الفلكي (الان ساندج) فقال إني سقيم بسبب سيطرة أفكار العدمية عليه فلما جنَّ عليه الليل بزغ الإيمان في صدره وهو يتأمل ملكوت السموات ليكون من الموقنين؛ فاعترف بعد بحث نصف قرن أن وجود المادة أمر معجز لا تفسره إلا قوة فوق مادية واستطاع أن يحدد عمر الكون بـ 13,7 مليار سنة ضوئية.
وطوَّر الروسي من سيبريا (اليزاروف) جراحة العظام بالكسر والمط ولم تكن تعالج إلا بالتجبير في كسر لكل مسلمات الأورثوبيديا المعروفة.
واستطاع الطبيب (وايدنر) من جامعة لوند في السويد أن يدشن تقنية (زرع الدماغ) بطريقة ذكية بزرع الخلايا العصبية في الدماغ وعالج مرض باركنسون بزرع خلايا الأجنة الساقطة في أدمغة المصابين في مفاجأة لكل قواعد البيولوجيا من ثبات الخلايا العصبية فلا تتجدد ولا تترمم.
العلم يزحف فيكسر البديهيات ويحطم المسلمات، ويعيش بنظام أخلاقي ذاتي، ويخترق التابو فيعري آليات السياسة وآلية ولادة الكلمة وهلوسات الجنس، ويتدفق فلا يعرف الاستراحة والوسن الاستقالة أو العجز لأنه من علم الله الذي يعلم السر وأخفى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .