العدد 2075
الجمعة 20 يونيو 2014
أسرار البلاط الأسدي خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 20 يونيو 2014

“سقوط مملكة الأسد”.. عنوان كتاب لمؤلف أميركي “David.W.Lesch” يعرف البلاط الأسدي من الداخل جيدا، وله علاقات جيدة مع رؤوس النظام المافيوي في دمشق، ويتنبأ بشر العاقبة لهم: ومنه سر عدم تصدع القيادة فإما التماسك والبقاء على ظهر تايتانيك بدون سترة نجاة. وإما أن يشنقوا فرادى: keep together or hanged separated.
يعتبر في مقدمة الكتاب أن عصر دولة المخابرات الأسدية انتهى “P:7” حتى لو لم يوضع رأس الأسد الصغير على المقصلة وبقي في الحكم.
ينقل الكاتب عن الأسد قوله: إن ما حدث في مصر وتونس طبيعي أما عنده فلن يحدث شيء “P:62”؟ مما يدل على أن أية طاغية يعيد نفس الخطيئة؛ أنه محصن ضد قوانين التاريخ، وهي نفس الجملة التي كررها شاوسسكو حين كان في زيارة ملالي طهران قبل مصرعه بأربعة أيام، حين سئل عن العاصفة التي تجتاح أوروبا الشرقية والقلاقل التي أثارها القس المسالم تيمي شوارا؟
أجاب صحيح ولكنكم لا تعرفون الشعب الروماني؟ وأريد أن أطمئنكم أنه لو تحول شجر الصفصاف إلى تين لربما تغير الوضع في رومانيا، وما حدث انه بعد أربعة أيام أصبح نسيا منسيا.
يقول الكاتب إن الثورة كانت فرحة عيد للسوريين ليكتشفوا أنهم عائلة واحدة تعيش لهدف مشترك “P:98”.
يصف الكاتب خطبة الأسد الأولى بعد تأخر أسبوع على الأحداث أنها كانت بائسة “P:105”.
مع هذا يبدأ الكاتب ديفيد ليش عنوان الكاتب ومن الغلاف الخارجي بفقرة غريبة؟ ماذا سيحدث لو لم يسقط الأسد بالفعل؟.
أظن أنه بعد طباعة الكتاب حاول أن يستعجل فيحمي نفسه في خط الرجعة فيما لو مشى تدفق الأحداث في اتجاه مختلف، لكن التأكيد في الكتاب ومن الأسطر الأولى اتجاه تأكيد العنوان: سقوط مملكة الأسد؟
يقول في الصفحة سبعة من أول الكتاب إن بشار سقط وانتهى بصرف النظر عن بقائه في السلطة من عدمه؟ ربما هو ينطلق من شرعية الحكم هيبة وصدقا وعدلا، وطبيب العيون الأعشى فقد القدرة على رؤية الواقع؛ فلم تبق هيبة أو شرعية. ينقل الكاتب ليش عن بيتر هارلينج مدير المشروع الإقليمي لمجموعة الأزمة الدولية قوله في تفسير الانفجار السوري: لن يستمر أي مجتمع في السكوت على هذا اللون الفظيع من الاضطهاد بأشكال شتى. ليصل إلى تقرير أن استخدام الأساليب القديمة سوف تحصد عكس النتائج “P:127”. ويشير الكاتب إلى ظاهرة استخدام أيام الجمعة للمظاهرات وتحت أسماء تحمل دلالات رمزية عميقة؛ ففي يوم الجمعة الأول في 18 مارس حملت اسم: الكرامة، والجمعة التي بعدها تاريخ 25 مارس: جمعة العزة، والتي بعدها بتاريخ 1 ابريل: جمعة الشهداء، لكثرة الدماء التي سالت على يد النظام البربري.
وينقل الكاتب عن مواطن سوري مشاعره تجاه النظام الدموي ليأتي أوباما ليأت اليهود فأي شيء أفضل من بشار: الكيماوي. “P:131”.
أكرر أن كلمات المؤلف هي من رجل يعرف النظام ظاهرا وباطنا وله حتى علاقات شخصية مع ما تدعى السيدة الأولى الخرساء.
وينقل في الصفحة “P:133” عن مجموعة المبادرة الوطنية للتغيير أنها اقترحت نقل البلد التدريجي إلى الديمقراطية والتعددية، وإلا فليس أمام البلد إلا الفوضى والخراب واقترحت تعيين وزير الدفاع علي الحبيب، ورئيس الأركان عماد راجحة القيام بهذه المهمة؛ فكانت النتيجة أن عثر على الأول ميتا في ظروف غامضة: انتحار على طريقة النظام في الغالب، أما الثاني فنسف مع من نسف في تفجير وقتل أعضاء خلية الأزمة التي كان أحد ضحاياها آصف شوكت زوج بشرى الشقيقة لبشار ورئيس الاستخبارات وسفاح حمص.
وينقل عن الملياردير رامي مخلوف نصف الكرة المخية المقابل من جمجمة النظام قوله: سنقاتل حتى النهاية وإذا ضاع أمن سوريا ضاع أمن إسرائيل فأمنها من أمن سوريا؟
ومن أعجب ما ينقل في كذب النظام على نفسه “P:147” تصريحات الساحرة بثينة شعبان تفاؤلها العميق في مايو 2011م أن الأزمة انتهت، وها نحن مع كتابة هذه الأسطر ندخل عام 2014م.
إن الطغيان من ملة واحدة، سماعون للكذب أكالون للسحت. ويبدو أن ما كان يرسله ديفيد ليش إلى أعلى المستويات في القيادة البعثية كان يغضبهم “P:105” مما جعل أحد رؤوس النظام البعثي المافيوي يقول له: إنك تغضبنا ولكن ما يشفع لك أنني أوافقك الرأي. وينقل عن آخر من جماعة العصابة ويبدو أنه كان مخترقا لهم من الداخل: أن الأسد لا يقدر على الإصلاح ولو فعل لسقط “P:148”. ويتكلم ديفيد ليش عن النظام الحزبي التعيس المترهل وحجمه فيقول لقد تضخم عدد أعضاء الحزب إلى 2,8 مليون عضو عامل من أصل عدد سكان وصل إلى 22 مليونا فهل يعقل؟ “P:153”. وينقل الرجل عن بعض أسرار صمود هذا النظام الطائفي أن النظام الفارسي الإيراني ساعده في كل شيء، والأهم تطوير أجهزة مراقبة الانترنت؛ فهم الأبرع في العالم في نظام القمع هذا الذي جربوه بشكل ممتاز في قمع انتفاضات عام 2009 عندهم؟.
وينقل شيئا مخيفا في الصفحة 166 ما يسميه سيناريو يوم القيامة المخيف في حال سقوط النظام المافيوي الأسدي “Doomsday Scenario if Syria fails” أنه إذا انهار النظام فلسوف تنشب حربا أهلية تنتشر عبر المنطقة وتشمل لبنان والعراق والسعودية وما هو أبعد.
ويفسر صاحب الكتاب أن هذا السيناريو الأسوأ هو الذي جعل دول البريكس تساند هذا النظام الدموي العاتي.
قال باختصار لا يريدون الخروج من نموذج ما بعد عراق صدام إلى نموذج جديد مشابه؟ كل ذلك وبسبب الخوف وعدم وجود مؤسسات أو منظمات مجتمع مدني تملأ الفراغ حال سقوط السلطة المركزية. وهي المعروفة في الطب بتناذر المريض المسبوت في العناية المركزة إذا رجع إلى الحياة وفترة التأهيل فهو يترنح ويتطوح.
ويسود الاعتقاد في مثل هذا السيناريو أبشع بكثير من الوضع العراقي، ومنه فقد شبه الكاتب اللبناني رامي خوري الوضع بعملية الإنقاذ التي قامت بها أميركا في أزمة الرهن العقاري عام 2008م لإنقاذ البنوك المفلسة.
قال إن سوريا بنك أكبر من أن نسمح له بالانهيار، وإن شبح الفوضى الطائفية مخيفة لكل المنطقة. في هذا علينا تذكر سجل الحرب الأهلية اللبنانية، كذلك الخوف من الانهيار والانزلاق إلى حرب إقليمية أو عربية إسرائيلية إذا فكر النظام المجنون المحاصر في دمشق في ارتكاب حماقة، وهو في حالة يأس في جر كل المنطقة إلى أتون حرب ضروس، ومعها جر إسرائيل إلى النزاع، كما فعل حين دفع بعشرات المغفلين الفلسطينيين إلى الحدود لتحصدهم رشاشات بنو صهيون. تماما كما حدث في حرب 1991 م حين عمد صدام إلى ضرب إسرائيل بالصواريخ على أمل خلط الأوراق في معركته التي سماها أم المعارك.
كما يمكن لهذا النزاع أن يصبح عالميا إذا دخلت السعودية في هذا الفرن الساخن وإيران من الطرف الآخر وتركيا. هنا علينا تذكر مقولة المؤرخ البريطاني توينبي عن الصراع العثماني الصفوي وكيف كان فارس شوكة في خصر الدولة العلية وكيف تعاونت مع بريطانيا ضدها ودامت الحرب الفارسية الصفوية مع بني عثمان قرنا أو يزيد.
علينا أيضا أن نتذكر الحرب العالمية الأولى وكيف اندلعت بطلقة في سراييفو فلا أحد يجزم كيف تنتهي الأمور. الحرب يمكن أن يشعل فتيلها أي أحمق مأفون خارج إحداثيات التاريخ ولكن نهايتها لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض. ومن يشعلها سيتحول إلى وقود لها. واللعب بالنار لا يجعل النار لعبة.
كما يوجد احتمال حقيقة لتدخل تركيا في الشمال السوري حماية لمصالحها في ظل حكومة أردوغان القوية مع ظهيرها من الناتو. وستضطر أميركا في النهاية للتدخل في أمواج التسونامي التي فجرها هذا المراهق ولو أنه والعصابة وفي الأشهر الستة الأولى أفسحوا المجال لهامش من الحرية والكرامة لربما نجت الدولة والمنطقة ولكن سوريا اليوم في نقطة اللاعودة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية