العدد 2061
الجمعة 06 يونيو 2014
أفكار لأزمنة الموت خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 06 يونيو 2014

 في عام 1965م كنت طالبا في كلية الطب في السنة التحضيرية، كانوا يسمونها “BCB” وأنا أسميها سنة تضييعية. لقد درسنا فيها الفيزياء بدون فائدة لجسم الإنسان، كما شرحنا الضفادع والأرانب بدون الدخول إلى بدن ابن آدم. ودرسنا علم الخلية ربما كان فيها فائدة لعلم الأنسجة في كلية الطب. كان أستاذ علم الخلية أبوحرب، أما أستاذ علم النبات “حداد” فكان بعثيا حاقدا كارها لكل طلبة كلية الطب. هدد العقائدي حداد أنه سيدمر كلية الطب. دخلنا في السنة الأولى للمرة الأولى في تاريخ كلية الطب ليس مئة طالب من نخبة متفوقي سوريا بل خمسة أضعاف هذا الرقم، نفع البعض انتسابه للحزب والشبيبة بدون كفاءة وجد ودراسة. ولكن الكثير منهم “هرهر” في الطريق فبقي في التخرج “بدون حفلة وبدون تقاليد تخرج مثل كل كليات العالم المتحضر!!”.
في عام 1964م كنت أستعد للامتحان العظيم في حياتي: البكالوريا التي تخولني دخول الجامعة وتوديع جو المدارس و”الرحالي” هكذا كانوا يسمون مقاعد الطلبة.
في عامي 1964 و1965م دخلت معتقلات البعث مرتين الأولى لمدة 13 يوما، والاعتقال الثاني كان أدهى وأمرّ ولفترة 39 يوما ثلاثة أضعاف اعتقال القامشلي. عرفت أن الرقم في كل مرة سيتضاعف.
الاعتقال الثاني أذكره جيدا فقد رأيت فيه الموت في أكثر من لقطة. في تاريخي واجهت الموت أكثر من مرة؛ في القامشلي صدمتني سيارة وأنا أسوق دراجتي. طرت في الهواء وتحطمت أسناني على شكل رقم 8 بالعربي. والثانية في الأموي وأنا أقفز فوق جثة الضابط الحمصي الذي قتلوه ورموا جثته عند عتبة المسجد ولاحقوا الناس مثل الذئاب الضارية بالكرباج دفعا كي نطأ جثة الشهيد. لا أدري ما الذي دفعني إلى قفزة هائلة تجاوزت فيها الجثة ولكن رأيت وجهه الأصفر البارد. ارتاح الحمصي من جهنم البعث أليس كذلك؟ لقد كانت كلها مقدمات لباب عمرو!
في اعتقال حادثة الجامع الأموي كنا خمسة آلاف متظاهر “سلمي” في صحن المسجد الأموي ندور فيه قبل الاستعداد للخروج إلى التظاهر في شوارع دمشق. لم نكن نعرف أن دخول سوريا بعد انقلاب 8 مارس 1963م جلب معه دفن سوريا في حفرة وقبر لمدة نصف قرن.
حين غادرت سوريا عام 1975م كان خلفي أطول اعتقال دام 250 يوما. كنا محشورين في غرفة قميئة عشرة أشخاص لا نستطيع أن نمد أقدامنا. كانت حفلات التعذيب تجري في الساحة المواجهة لغرفنا حيث يحتشد عشرات المعتقلين. كان البعض يضرب إلى حين سقوطه في نوبة صرع تشنجية. أتذكر الأستاذ من “مورك ـ قريب من مدينة حماة” كيف جاءه أبوطلال قال له حضر نفسك هذه الليلة. لم يهنأ بنوم ولا طعام حتى جاءه دوره إلى الحفلة الجهنمية. كان المحققون “أذكر واحد منهم اسمه آصف وجهه أصفر جهنمي” يتحلقون حول بركة الماء الشامية. كان مركز الاعتقال والتعذيب بين الشيخ تاج الدين الحسني رئيس جمهورية سابق فتحول القصر إلى بوابة جهنم. كانوا كلاب جهنم فعلا. أفهم إصرار الثورة السورية الحالية على حمل الصليب إلى جبل الجلجثة.
لا أدري ما الذي جعل هذه الذكريات تحرك في ذاكرتي الكتاب الذي وقع تحت يدي بعنوان “أفكار لأزمنة الموت” وهي مجموعة المراسلات التي تمت في ظروف الحرب العالمية الثانية بين عالم النفس “سيجموند فرويد” والفيزيائي “آينشتاين”.
حسب عالم النفس فإن الروح الإنسانية في حالة تردد بين “الليبيدو” و”التانتوس” أي قطبي اللذة والجنس، مقابل قطب الموت والفناء.
حسب الفيزيائي آينشتاين فإن النازية ترتب لفناء العالم عن طريق تطوير السلاح النووي. كانت مخيلة آينشتاين مشبعة كما هو الحال عند فرويد بطبيعة النظام النازي الدموي. المعلومات التي تم كشف اللثام عنها تقول إن هتلر تفطن لأهمية السلاح السري في قوة تدمير لم يحلم بها كبير آلهة الأولمب زيوس.
هناك محاولة جرت لبناء مفاعل نووي ولكنها كانت متواضعة. كما تسربت أنباء عن محاولات أولية لتفجير قنابل نووية من حجم مصغر. كلها معلومات غير أكيدة مقابل المعلومة التي تم الاتفاق عليها أن المفاعل النووي الذي سهر عليه العلماء الألمان لم يقطع شوطا كبيرا مقارنة بمشروع مانهاتن الأميركي الذي أنفقت عليه أميركا أكثر من ملياري دولار. ونجحت في أول تفجير. ومعه أعلن على نحو غير واضح ومباشر موت مؤسسة الحرب. لذا فالقتال هو أسلوب المتخلفين أو لتأديب المتخلفين في كسمايو من الصومال مثلا. أو إرساله إلى المتخلفين بفيض من لا أخلاقية انتهازية كما يفعل الروس مع الرفاق في سوريا.
في هذه الأيام من خريف 2012م يقترب العام من استكمال دورته والثورة السورية ماضية في طريقها وارتفع وتير فعاليتها مقابل مصرع المئات يوميا. والسؤال المركب على أكثر من سؤال هو إلى متى سيبقى مسرح الدم ضاربا؟ متى ستحقق الثورة أول اختراق نوعي لها؟ متى نسمع أن الرفاق تصارعوا وذبح بعضهم بعضا كما حدث يوما في عدن بين الرفاق فخرج البعض من القاعة جثثا وآخرون يزحفون زحفا مثل الزواحف!
حسب تحليلات “ميشيل كيلو” المعارض السوري كان يقول في كل مرحلة الآن دخلنا المرحلة الثالثة التدويل.. الآن يقول إنها ما قبل خروج الجنين إلى الحياة.. الثورة في مرحلتها الأخيرة وسوف تهزم النظام.
كل ذلك وارد وغيره كذلك. من ركب سفينة عليه أن لا يحدق في الأمواج فسوف يصاب بالدوار. من المهم أن يتأمل الأفق البعيد بعيدا عن تدافع الأمواج اللحظية. نصيحة أهداني إياها كندي طالب في علم الأنثروبولوجيا. قالها من أجل الاستثمار المالي على المدى البعيد أن لا يعلق الإنسان قلبه بتقلبات أمواج السوق اليومية. تنفع هذه النصيحة في علم اجتماع الثورات. نحن حاليا تطالعنا الأخبار بمصرع المئات يوميا. يكاد الإنسان لا يصدق أن هذا يتم والعالم يتفرج ولا يحرك ساكنا.
نحن نكتب في أزمنة الموت وتنقلب دورة الحياة فيدفن الآباء أبناءهم بدل دفن الأبناء آباءهم كما هي طبيعة دورة الموت والحياة؟
علينا أن نتفاءل بالأفضل ونستعد للأسوأ فهذه هي طبيعة العقل العلمي.
ينقل عن نيتشه قوله “التفاؤل سطحية والتشاؤم دليل انحطاط والمنطق الصحيح ولادة الأشياء من رحم المعاناة”.
قفز رقم الشهداء حاليا لثلاثين ألفا، المفقودين ربما مئتي ألف، النازحون بالملايين، وتدمير سوريا ربما فاق 60 % أكثر من مليوني منزل فهل اقتربت الساعة وانشق البعث وتدمر؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية