العدد 2083
السبت 28 يونيو 2014
إعادة هيكلة المنظومة التعليمية ضرورة ملحة د. محسن الصفار
د. محسن الصفار
عالم مجنون
السبت 28 يونيو 2014

قد يستغرب الآباء عندما يرون أن ما يدرسه أبناؤهم اليوم في المدارس في القرن الواحد والعشرين لا يختلف كثيرا عما كانوا هم يدرسونه قبل عقود من الزمن وقد يزول الاستغراب عندما نرى ان المناهج التعليمية بموادها المختلفة مازالت قائمة على نفس المبادئ والمضامين التي كانت عليها منذ سنين طويلة ومازالت الطرق والأساليب التعليمية تنتهج نفس الطريقة القديمة دون اي تغيير جوهري عليها وكأن عجلة الزمن قد توقفت في نقطة معينة وترفض ان تتزحزح من مكانها لإفساح المجال لمستجدات العلم الحديث.
نحن اليوم نعيش في عصر التقنية والتغييرات السريعة في العلوم لدرجة ان ما يعتبر اليوم هو الأحدث يعتبر في اليوم التالي تقنية قديمة وتتشعب العلوم بمختلف اقسامها لتصل الى ادق درجات التخصص في كل مجال ولم يعد العلم متاحا كما كنا ومازلنا نقرأ عنه عن الفلاسفة العرب الذين كان واحدهم يمارس عشر انواع من العلوم ويبدع فيها نظرا لمحدودية العلوم في ذلك الوقت ولذلك لسنا بحاجة الى طلاب يعرفون كل شيء عن كل شيء بل الى من يعرفون اكثر ما يمكن عن اشياء محددة تفيدهم في بناء مستقبلهم العلمي والعملي.
المبدأ الاساس الذي يستند عليه التعليم الحكومي هو مبدأ الحشو المكثف للمعلومات في ذهن الطالب وكأنه خزانة يتم تكديس المعلومات فيها في صناديق مغلقة بإحكام، دون افساح المجال لهذه المعلومة لتتفتح في ذهنه بحيث تنتج عنها افكار وتساؤلات تؤدي الى الابداع بل ان الطالب طوال العام الدراسي يخوض سباقا كميا وليس نوعيا مع المناهج الدراسية التي يجب الانتهاء منها عبر حفظ معظمها وليس فهمه ولو تجرأ الطالب وحاول التوسع في نقطة ما اثناء الشرح فسيتم نهره لكونه يعطل الدرس ويعطل الباقين عن المقرر الذي يشبه قطارا على سكة حديد لا يجوز له الخروج عنه ولا محاولة ايجاد طرق فرعية قد توصله الى مقصده بطريقة أسرع وأسهل وأكثر جدوى واقتصادية.
لو راجعنا المناهج التعليمية الحكومية فسنجد ان كما كبيرا منها هو حشو زائد لا نفع يرجى منه ولا يؤثر عدم معرفته في مستقبل الطالب المهني أو الاجتماعي أو الفكري وهي معلومات يمكن لمن يرغب في الحصول عليها فيما بعد ان يستقيها من الإنترنت او المكتبة العامة او أي مصدر آخر غير المدرسة فمثلا في دروس اللغة العربية يجبر الطالب على حفظ عشرات القصائد الطويلة دون ان تكون لهذا فائدة فالطالب ينساها حالما يغادر قاعة الامتحان ولا يعود اليها أبدا.
كما ان التعامل مع اللغة الانجليزية التي هي لغة التقنية والتجارة في عالم اليوم كمسألة ثانوية تحرم الطلاب من فرصة التفاعل مع ما يحصل في عالم اليوم من ابداعات علمية وتقنية لا يتسنى لهم الوصول اليها باللغة العربية الا بعد وقت متأخر ولذلك فإن تدريس اللغات الاجنبية يجب ان يكون جزءا اساسيا ورئيسا في التعليم الحكومي بما لا يقل عن حصة الزامية يوميا على الاقل. لأن اجادة اللغة تزيد من فرص التلاميذ للحصول على فرص عمل جيدة عند الانتهاء من المرحلة الثانوية في حال عدم رغبتهم في اكمال دراستهم الجامعية وبالتالي فإن تحسين مستوى تعليم اللغة الإنجليزية في نظام التعليم الحكومي يؤدي كنتيجة حتمية الى انقاص معدلات البطالة في المجتمع.
اما الجانب العملي والتطبيقي في دراسة العلوم المختلفة فيجب ان لا يقل اهمية عن الجانب النظري وخصوصا في مواضيع الكيمياء والأحياء والفيزياء لأن الهدف من تدريس هذه العلوم هو تحضير الطالب ذهنيا وعقليا لاستيعاب مفاهيم العلوم الأكثر تعقيدا مثل الهندسة والطب والعلوم التطبيقية العالية فإذا لم نقرن التعليم النظري بالعملي فإن الطالب لن يتوسع ذهنه في محاولة ايجاد تطبيقات جديدة مما يؤدي الى انتاج مخترعين ومبدعين قادرين في مراحل لاحقة على تطوير المفاهيم التي تعلموها لإنتاج اختراعات جديدة واكتشافات مفيدة.
إن هذه الاشكالية في منظومة التعليم الحكومي لا ينفع معها الترميم أو الترقيع بل هي بحاجة الى اعادة هيكلة كاملة لانتاج منظومة تعليمية مواكبة لتطورات العصر وقادرة على تخريج طلاب واعين ومدركين وليس مجرد اشخاص يحفظون ثم ينسون فيما بعد وكما نرى فإن الخريجين من المدارس بتفوق وبمعدلات عالية ليسوا بالضرورة الأكثر تفوقا في حياتهم العملية ولا حتى دراستهم الجامعية اذا درسوا خارج المنظومة التعليمية الجامعية العربية والتي هي امتداد لمنظومة التعليم الابتدائي والثانوي وتتبع نفس طرقه وأساليبه لأنهم ببساطة ليسوا الأذكى بل الاقدر على الحفظ وتخزين المعلومات وبلغة اليوم فإن النظام التعليمي الحكومي يصنع من الطالب كمبيوترا له طاقة تخزينية عالية جدا بمعالج بيانات ضعيف جدا غير قادر على تحليل هذه البيانات وإنجاز عمليات مفيدة بواسطتها.
إن تطوير التعليم الحكومي لا يكون فقط عبر بناء بنايات حديثة أو شراء أجهزة كمبيوتر متطورة وإن كانت هذه الاشياء مهمة ايضا ولكن يكون عبر اعادة هيكلة التعليم بكل اقسامه من مناهج تعليمية ومن تدريب المعلمين ومن طريقة الامتحانات ومن توزيع الحصص الدراسية بين الدروس العملية والنظرية وفسح المجال للطالب لأن يكون مساهما في العملية التعلمية وليس متلقيا صامتا فقط وأن يكون للإبداع نصيب في علامات الطالب الدراسية لا ان تقتصر على ما حفظه من تلقين للمعلومات طوال العام الدراسي.
إن التعليم ومدى نجاحه هو من يقرر مصير اي بلد اقتصاديا وصناعيا وفكريا بل وحتى سياسيا وعسكريا ولا يكمن الحديث عن تطور في اي مجال ما لم يكن قطاع التعليم قادرا على تزويده بالكوادر البشرية المؤهلة لإدارته وتطويره. ولذلك فإن الدول المتقدمة تضع جل اهتمامها في قطاع التعليم لضمان الحصول على تدفق مستمر من الكوادر البشرية المؤهلة لإدارة مختلف قطاعات البلد.
نتمنى ان نرى تحولا جذريا في التعليم العربي في القريب العاجل كي يكون عاملا اساسيا في اخراج العالم العربي من حالة الجمود الإبداعي والفكري في مختلف مجالات العلوم والتقنية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية