عندما أحرقت عصابات الكيان الصهيونيّ المسجد الأقصى سنة 1969م قالت رئيسة الوزراء الإسرائيلية حينها جولدا مائير: لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب سيدخلون إسرائيل افواجاً من كل صوب لكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركتُ أنّ باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة!
وفي أجواء ما ترتكبه العصابات الصهيونية بحق أهلنا وإخوتنا في فلسطين الحبيبة من قتل همجيّ لم يستثن منه لا الأطفال ولا الشيوخ ولا النساء فإنّ الذّي يستدعي المراجعة هو مفهوم الأمة ذاته. ذلك أنّ الاكثرية واقعة في وهم عريض هو اعتقادهم أنّنا خير أمّة أخرجت للناس دون ان نعي الشروط كما في قوله تعالى “تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” والخيرية هنا مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله. ووفقا لهذا المفهوم نتساءل: هل ينطبق علينا ما ورد في القرآن المجيد؟ وهل نحن سائرون على النهج القرآني كما ينبغي؟ المؤسف أننا نتذكر هذه الآية الكريمة ونغفل الآيات السابقة لها في سورة آل عمران وتحديداً الآية رقم (104) “ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”.
المسلمون الأوائل ابان الفتوحات الاسلامية وحتى قبل عقود قليلة في جهادهم ضد الاستعمار جسدّوا النصوص القرآنية عندما ينطلق النداء بالاستغاثة من أي قطر من الامة تكون الاستجابة سريعة كان هذا إبان الغزو المغولي لبلاد الشام وفي عصرنا الحديث شهدنا كيف هبت الشعوب العربية لمناصرة اخوتهم الذين يئنون من نير الاستعمار. بيد أننا اليوم شهدنا وبكينا وحزنّا ولا نزال نبكي ونذرف الدموع ولا نملك الاّ الدموع على حالنا البائس.
تحولنا بإرادتنا اليوم من خير أمّة الى أمة الهوان وليس هناك أمة تعيش الذل والتشرذم كأمتنا العربية والاسلامية. أصبحت الأمم تتداعى علينا كما في حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “تكاد تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قيل أو من قلة يومئذ يا رسول الله؟ قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل”. وإلاّ هل من المعقول أنّ امتنا العربية وحدها ناهيك عن الإسلامية التي بلغ تعدادها الثلاثمئة مليون انسان ان تصيبهم الاستكانة؟ انّ داخل كل واحد منا سؤال لماذا لا يصرخون؟ لماذا لا يتحركون؟ ما الذي أسكتهم وكأنّ من يقتلون أمامهم من أمم أخرى لا تمت لهم بأدنى صلة؟
من المفارقات الصارخة أن تتزامن الاعتداءات الوحشية على أحبتنا في فلسطين مع الاحتفالات الرياضية العالمية. وكان هذا الحدث الرياضيّ كافيا لوحده ليكشف عن خيبتنا وتخاذلنا وانكسارنا وبشاعتنا كأمة تبلّد فيها الحس كما أظهر - الحدث - لدينا حالة من الاستلاب الرهيبة التي تعيشها الأمة أنظمة وشعوباً. أليس من المهين والمعيب أن تنهمر الصواريخ الإسرائيلية كالأمطار ليلا ونهارا على البيوت الآمنة في غزة دون أن تتحرك مشاعر أحد في هذه الأمة النائمة؟
لم تزل ذاكرتنا تحتفظ بصورة الشهيد محمد الدرة التي أثارت العالم بأجمعه يوم كانت الصورة تهز ضمير العالم لكن الذي نلسمه الآن أنّ ضمير الأمة العربية قبل العالم اصبح في خبر كان وآلاف الافلام والمشاهد تبث على الهواء مباشرة والدم الفلسطيني يراق على ثرى ارضها الطاهرة دون أن تحرك مشاعر احد من هذه الامة. بالله عليكم ماذا جرى لهذه الامة؟ لماذا تخشبت احاسيسها الى هذا الحدّ؟
ليت الأمة تعي أنّ هذا الاعتداء البالغ الوحشية ليس خطره على ابناء فلسطين وحدهم بل هو خطر داهم على الأمة الإسلامية بأسرها من المحيط الى المحيط والذي يتمثل في اغتيال كل ما يمثل تهديدا لهم وعلى كل المستويات والأصعدة السياسية والعسكرية والثقافية والدينية. ومن هنا فإنّ المعركة هي معركة الأمة حكاما ومحكومين بأن يقفوا صفا واحداً.