آخر ما اختلف عليه المسلمون وما أكثر الأشياء التي يختلفون عليها كل عام هو دخول الشهر الهجري. إحداهما تذهب باتجاه أنّ الرؤية لا تصحّ الاّ بالعين المجردة والأخرى ترى أنّ الرؤية الفلكية هي الادّق والأصح ولا يزال الخلاف قائما بينهما حتى اللحظة وسؤالنا لماذا الاعتماد على الرؤية المجردة رغم أنّ المراصد الفلكية المتطورة لها كل هذه القدرات الخارقة والدقيقة حيث إنها تستطيع ان ترى وتتعمق في الكون 15 الف مليون سنة ضوئية؟
أما القضية الأخرى هي الفتاوى الرمضانية التي ما إن يقرع الشهر الكريم الأبواب حتى تنهال الفتاوى على شيوخ الدين اغلبها مكررة عشرات المرات وتدور حول الشرب والأكل ناسيا أو حكم تنظيف الاسنان بالمعجون او السؤال الآخر المتعلق بحكم تقبيل الصائم لزوجته والمداعبة في الفراش أما الحديثة منها كشرب الشيشة والسهر في الخيم الرمضانية حتى وقت الأذان.
صحيح أنّ المسلم بحاجة الى فتاوى معاصرة تجيب على ما يشغله من أسئلة وصحيح أنّ هذا الانسان بأمس الحاجة الى من يرشده الى طريق الحق بيد أنّنا نعتقد أنّ المسلم اليوم بحاجة اشدّ الى إبراز النموذج الاسلامي في التعايش السلميّ بين افراد المجتمع وسط ما يعصف من خلافات تكاد تقتلع كيانه. والفضائيات هي الارض الخصبة للفتاوى التي تتراوح بين “شدة في غير موضعها وسهولة في محلها”. وفي هذه الفضائيات يختلط الحابل بالنابل فالملاحظ أنّ هذا الموسم العبادي الروحاني يتحول الى موسم يخوض فيه قليلو الخبرة في القضايا الدينية والتصدي لكل ما يصلهم من أسئلة أكانت تستدعي الرد أم لا.
الذي نعرفه بل نحن متأكدون منه أنّ مجال الفتوى له علماؤه الضالعون فيه وأنّ من يتصدى للإفتاء لابدّ أن يتأهل له لأنّ الآثار المترتبة عليه خطيرة جدا كما ذهب الى هذا اهل الاختصاص من أنّ الإخلال بهذا الامر هو افتراء على الله تعالى بتحريم الحلال وتحليل الحرام مما دفع الناس الى التلفيق وبلغ الأمر بالبعض الى الجرأة في الحديث على اهل العلم.
النصّ القرآني في هذا الإطار واضح وصريح وهو كما في الآية الكريمة “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (النحل 116). وعن الإمام أحمد – رحمه الله – قال (من عرّض نفسه للفتيا فقد عرّضها لأمر عظيم)، الفوضى عبر الفضائيات تجري بلا رادع وبلا رقيب وبدت أمرا مباحا لكل من تحصل ولو إلمامة من العلم ومن أنصاف المتعلمين، الذي يثير الغرابة هنا هو تجاسر البعض في مسألة التحليل والتحريم.
إنّ الفتاوى عبر الفضائيات أضحت أمرا لابدّ منه للفضائيات للشهر الكريم وكأنّ هذه الفضائيات تقول لمشاهديها إنّ رسالتها لا تتمّ إلاّ باستضافة أحد شيوخ الدين للرد ليتولى الردّ على ما يصل من اسئلة. المؤسف ان البعض وتحت إغراء المال يستجيب لمثل هذه الدعوات اعتقادا منه انه يسدي للناس خدمة عظيمة.
التحذير من خطر الفتاوى بغير علم جاء ذات مرة من الامام الاكبر الدكتور احمد الطيّب شيخ الازهر الذي قال محذراً من خطورتها على الدين والأمة “إنّ علماء الأمة وضعوا للفتوى قواعد وآدابا وأوجبوا على المفتين مراعاتها عند القيام بالنظر في المستجدات رعاية لمقام الفتوى العالي وإحاطة له بسياج الحماية من عبث الجهلاء والأدعياء”.