كان السؤال المطروح منذ زمن بعيد هو التالي: هل مجتمعاتنا تتصرف بنوع من النفاق أم أنّ الذّي يغلب على تصرفاتنا هو المجاملة؟ أم هو بين هذا وذاك؟ ولماذا يميل البعض الى المداهنة ويخشى من البوح بكلمة الحق اضافة الى العشرات من الأسئلة التي تقودنا في نهاية المطاف الى حقيقة واحدة مفادها أننا نجامل كثيراً ونضيق بالكلمة الناقدة ولعلّ هذا هو السبب في تخلفنا عن ركب الحضارة.
ليس أسهل من القول بوجوب أن نسميّ الاشياء بأسمائها ونضع الأشخاص في احجامهم الحقيقية بيد أنّه من الصعب ان يأخذ مجاله على أرض الواقع لاعتبارات عديدة. على سبيل المثال وليس الحصر أن نجد من يسبغ على صاحب موهبة متواضعة للغاية في أي مجال كان بأنه فلتة من فلتات العبقرية ونعته بالالقاب الكبيرة لمجرد أنه الّف كتابا أو كتب قصيدة بصرف النظر عن المستوى. انّ هذا النوع من النفاق يسهم الى حد كبير في جعل الممدوح يضع نفسه في مصاف الموهوبين الكبار وهذا بالتأكيد يجعل من اي مدعٍ أن يتصور نفسه شاعرا كبيرا وبالتالي على الآخرين الإنصات الى ابداعاته. بيد أنّ المؤسف هو أن يجد امثال هؤلاء التصفيق والتحشيد انىّ يحلون وترتفع صيحات الاعجاب وبالطبع ينساق آخرون لمجاراتهم بعبارات الاعجاب والاستحسان. هؤلاء الطارئون ما كان لهم أن يتصدروا المهرجانات والأمسيات الشعرية والبروز لولا اصوات النفاق ممن كرّسوا انفسهم جوقات للمديح والبهرجة بيد أنّ هؤلاء سرعان ما يتساقطون واحدا بعد الآخر وهذا هو قانون الحياة.
وأسهمت وسائل الاتصال الحديثة في ذيوع الظاهرة الى حدٍ كبير اذ بات بمقدور اي فرد من متواضعي الموهبة والباحثين عن الشهرة بأسرع وسيلة كانت كتابة ما يحلو له ونشر ذلك عبر الانترنت أو عن طريق الوسطاء في اجهزة الاعلام على اختلافها وهؤلاء بدورهم خلقوا منهم كتاباً وروائيين وشعراء لا يشق لهم غبار كما يقال لكنهم في الواقع لا قيمة لهم على المستوى الابداعيّ.
الظاهرة الملفتة لجمهور القرّاء على مدى الأعوام السالفة انتشار من يسمون انفسهم كتاب الرواية من الجنسين في طول الوطن العربيّ وعرضه. المتتبع لهذا النوع من النشاط الفكري لا شك أنه رصد الموجة الطاغية منذ سنوات للكتاب وهي في حقيقتها طارئة على المشهد الثقافي والأدبي لكونها تفتقر الى عناصر هذا الفنّ. لم يكن لأي أحد قبل شيوع وسائل الاتصال الاجتماعي أن يجرؤ على اقتحام عالم ليسا مؤهلا له لولا انّ الفضاء الالكتروني مشرع على مصاريعه أمام الجميع.. أي اصحاب المواهب ومتوسطي المواهب والفاقدين على حد سواء. ناهيك عما هو متاح لهم من مساحات في الصحف.
ونذكر هنا أنّ الشاعر الكبير بدر شاكر السياب عندما كتب رائعته الخالدة “أنشودة المطر” كان متردداً في دفعها الى النشر لاعتقاده انها دون المستوى وتمنى من صاحب مجلة الآداب البيروتية أن ترقى القصيدة الى مستوى النشر وهذا بلا شك نابع من حرصه على ان يتوفر عمله الشعري على الجودة والقيمة الفنية التي تؤهل للنشر.
إنّ الخطورة في الظاهرة المشار اليها كونها تؤسس لوعي زائف في المجتمع وتخلق تماثيل من شمع سرعان ما تتهاوى بعد ان تتلاشى عنها المساحيق. الواسطة والمحسوبية والمجاملة تستطيع أن تضع كاتبا تحت الاضواء الى حين لكنها لا يمكن أن تكرسه مبدعا الى الأبد.