لا أعرف من هو صاحب العبارة التي تقول “لا يوجد في العالم أغبياء بل يوجد فاشلون لا يوظفون قدراتهم العقلية اطلاقاً”. والسؤال هنا هل هناك اشخاصٌ أذكياء وآخرون أغبياء؟ إنّ الذي استقر في أذهان المربين تحديدا ولدى الناس بوجه عام أنّ هناك اشخاصا متميزين بسرعة الفهم وسرعة البديهة وبالتالي فإنّ هؤلاء هم المتفوقون على اقرانهم في المدرسة. بينما يميل فريق آخر الى أنّ الناس جميعهم متساوون في الذكاء لكنّ الفارق بين الحالتين انّ الاذكياء يوظفون قدراتهم وذكاءهم بشكل افضل في الدراسة أو الحفظ أو غيرها من مناحي الفكر الانسانيّ. وقرأت ذات مرة قصة أن مفتشا تربويا كبيرا على المدارس أعلن قيامه بزيارة لمدرسة ابتدائية في مدينة صغيرة وذلك ضمن برنامجه الشهري وأثناء سيره نحو المدينة تعطل محرك سيارته وتوقف في منتصف الطريق وبينما كان المفتش يقف حائرا امام سيارته مر تلميذ من هناك وشاهد الرجل الحائر فسأله عما اذا كان في وسعه مساعدته وفي وضعه المتأزم أجاب المفتش وهل تفهم شيئا عن السيارات؟
لم يطل التلميذ الكلام بل أخذ الأدوات وبدأ يشتغل تحت غطاء المحرك المفتوح ثم طلب من المفتش تشغيل المحرك فعادت السيارة الى السير من جديد. شكر المفتش التلميذ وتعجب من نباهته وفطنته ثم استدرك وسأله: ولكن من المفترض أن تكون انت في المدرسة الآن؟ فالدوام المدرسي لم ينته بعد فماذا تفعل في هذا المكان البعيد؟ فأجاب الصبي: سيزور مدرستنا اليوم المفتش وبما أنني الأكثر غباء في الصف فقد أرسلني المدرس إلى البيت!
المدرس هو مرب قبل أن يكون معلما وبالنسبة للتربية لا يوجد أغبياء في الصف. الكل قادر على التعلم ولو بسرعات مختلفة من هنا على المدرس أن يتوجه بتدريسه الى التلميذ القوي والضعيف وأن لا يستعمل كلمات قاتلة مثل غبي أو ما شابه، كان لابد للمدرس أن يتتبع حالته ويجتمع مع اهله لمعرفة سبب تأخره الدراسي فربما ينقصه الذكاء لكنه يعمل بدوام جزئي في كراج صيانة ليعيل اهله. الذي اردنا قوله إنه لا يوجد غبيّ بالمطلق فالذكاء متعدد حسب نظرية الذكاء المتعدد لهوارد جاردنر. وكان لهذه النظرية الأثر الأكبر على عملية التعلّم والتعليم حيث غيرت مفاهيم كثيرة سائدة ومغلوطة كانت حتى وقت قريب تعد من المسلمات غير القابلة للمناقشة.
وكان الدكتور طارق السويدان قد أجرى احصائية شملت اغلب الدول العربية فاستنتج أنّ خمسين بالمئة من الذين بلغت درجاتهم فوق المئة والثلاثين كانوا فاشلين دراسياً وأرجع السبب الى سوء شرح المعلمين وسوء اعداد المواد. ويضرب على ذلك مثال للعالم الذي اكتشف احدى النظريات في الرياضيات كان غالبا ما يرسب في الرياضيات فلما كبر واخترع قانونا في الرياضيات سئل لماذا كان يرسب؟ فقال: كان المعلم يشرح لنا على الطريقة البدائية البسيطة فكنت أجيب انا بطريقةٍ افضل منها ولكنه لا يفهمها فيرسبنيّ. وليس بوسعنا الوقوف على عدد الأمثلة في هذا السياق. وما نرجوه الا ينصرف الذهن الى انّ المعلمين بأجمعهم هم من هذه الشاكلة اي ممن يبثون الاحباط واليأس في عقول طلبتهم فهناك من المعلمين من حفزوا تلامذتهم على العلم والنبوغ رغم انهم قلّة، كانوا يعشقون مهنتهم الى اقصى الحدود ويحبون طلابهم ولهذا فإنّ صورتهم بقيت في الذاكرة رغم تقادم السنوات.
وننصح المدرسين بتغيير أفكارهم والاطلاع على النظريات الحديثة في التربية والتعليم.