حسن فعل أولئك المواطنون برفع خطاباتهم إلى رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة بشأن عدم استقبال الوزراء للمواطنين في مكاتبهم، وهذا مسلك غير حميد ولا يمت بصلة لمروءة الحكومة ولا لنبل صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء الذي لا يألوا جهدًا في خدمة البحرين وشعبها. بجانب أن هذه الخطابات المرفوعة ليست بحد ذاتها شكوى بل إنها تمثل رؤية للمواطنين الذين جعلهم ميثاق العمل الوطني ودستور البلاد شركاء في صياغة القرار الوطني.
الوزير هو عضو في الحكومة التي يترأسها سمو رئيس الوزراء، أي موظف عام يُعين ليتولى مسؤولية إدارة الوزارة الإدارية والخدماتية والإنسانية، وهي مسؤولية تكليف بالعمل وليس تشريفا بالمنصب، تكليف بأدائه على أحسن وجه ليصل إلى المواطن ما يحتاج إليه من خدمات. وكلمة وزير اشتقت من كلمة “وزِر”، وهي تعني “الحمل الثقيل والمرهق والشاق”، وقيل إنها مأخوذة من “الوَزَّر” الذي هو الملجأ، وقيل أيضًا إنها مشتقة من “الأزْر” وهو الظهر، وأصلها في اللغة اللاتينية “الخادم”. والمواطن في أي بلد ليست له علاقة بجميع أعضاء الحكومة من الوزراء ولا بوزاراتهم، بقدر علاقته غير المباشرة مع الوزراء في الوزارات الخدمية “التعليم، الصحة، البلديات، الكهرباء والماء، الإسكان، الأشغال” ومختلف الدوائر الرسمية الأخرى التي تشرف على تأدية الخدمات للمواطن في بلاده.
وأية وزارة من هذه الوزارات الخدمية ليس المعيار بها مَن يَمسكها أو مَن يتولى إدارتها، وليس بعدد موظفيها أو بحداثة مبناها أو قدمه، بقدر ما تقدم هذه الوزارة من الخدمات للمواطن، فكلما قدمت هذه الوزارة أو تلك ما يتطلبه المواطن من الخدمات التي يحتاج إليها ـ وفقًا لإمكانياتها وما تملكه من الصلاحيات ـ أصبحت هذه الوزارة أو تلك قريبة من المواطن. وحتى تكون الوزارة قريبة أكثر من المواطن لابد أن يُحدد الوزراء في أجنداتهم اليومية أو الأسبوعية أوقاتًا معينة لمقابلة المواطنين خصوصا أولئك الذين يحتاجون إلى قرار وظيفي أعلى لتحقيق متطلباتهم الخدماتية، فالكثير من الموظفين وباختلاف رتبهم الوظيفية والإدارية لا يمكنهم البت في العديد من الأمور الخدماتية إلا بالرجوع إلى المسؤول الأعلى في إدارتهم أو وزارتهم ـ وهو أمرٌ صحيح ـ فكل موظف أو إداري له صلاحية محددة في التعامل مع أي أمر من الأمور. فهل مَن حق المواطن أن يحصل على جزء من وقت سعادة الوزير؟ نعم.. من حق المواطن ذلك؛ ومن واجب الوزير أن يستقبل أي مواطن؛ حتى يتعرف على القضايا التي هو مسؤول عنها والتي هي مدونة أكثر بين طيات الملفات الورقية والرقمية والتي هي بعيدة عن نظره، عليه أن يستقبل المواطن ليشعر أنه أيضًأ “الوزير” مواطن. وقدوتنا في ذلك سمو رئيس الوزراء الذي يستقبل المواطنين في مجلسه العامر في صباح كل اثنين، يفرح بمجيئهم ويصغي لأحاديثهم بدون كلل، وسمو ولي العهد الذي يستقبل المواطنين في مجلسه العامر مساء كل اثنين، المحافظون أيضا “الوسطى والمحرق” في كل أسبوع. في هذه الملتقيات يستمعون لأحاديث وشكاوى المواطنين وطلباتهم ويسعون إلى تحقيقها.
استبشر أهل البحرين خيرًا باستجابة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة لخطابات المواطنين وفرحنا أكثر بدعوته الكريمة للوزراء وحثهم على استقبال المراجعين من المواطنين، وهذه الاستجابة والدعوة مبعثها ـ أولاً: أن الوزير مُكلف بأداء الخدمات التي أنيطت إليه للمواطنين وبدون أي تقصير، ثانيًا: أن سموه حريص على توفير الحياة الكريمة لجميع المواطنين بدون استثناء أحد وهو نهج انتهجه سموه منذ أن تحمل مسؤولية إدارة الدولة مع والده وشقيقه سمو الأمير الراحل “طيب الله ثراه”، وثالثًا: تأكيد سموه سمة التواصل وهي سمة حرص أهل البحرين على تأصيلها في المجتمع البحريني لكونها الضمانة الحقيقية لتعزيز تماسك النسيج الاجتماعي البحريني وحمايته من كل أذى.
فهل نحن محتاجون إلى هذا التواصل بين المواطن وبين الوزراء؟
نعم.. هناك حاجة ملحة لتحقيق مثل هذا التواصل، إن التواصل الذي نتمنى أن يكون بين السادة الوزراء والمواطنين مؤشر صحيح في التعامل مع المواطنين وجزء لا يتجزأ من مهام الوزراء، ويحقق التفاعل بين المواطنين وهذه الوزارة وتلك، ومن خلال التواصل وتحقيق اللقاءات سيسمع الوزراء مباشرة من المواطنين أنفسهم بدون أوراق وملفات فيما يتعلق بالخدمات التي تقدمها وزارته، وسيجد المواطنون ـ بإذن الله تعالى ــ من هذه اللقاءات آذانا صاغية لكل ما يعتريهم من مشاكل مع هذه الوزارة أو تلك. كما أن هناك من المواطنين مَن يستطيع تقديم الرؤى والأفكار التي تخدم أنشطة ومشاريع الوزارات وسيكون نتاجه تعاون مثمر وسيعود على بحريننا بالنفع والخير العميم. ومن المستحسن أن يتم عرض هذه اللقاءات على مساحة واسعة من الإعلام المرئي والمقروء ليتم نقل الصورة الحقيقية لهذه البلاد في البحرين وخارجها. إن مهنة الوزير هي مسؤولية كبيرة ومهمته أمانة عظيمة ديدنها تعزيز الثقة بالمواطن التي من أجله وِجدَت الحكومة ووزّر الوزراء، ولابد من الوزراء أن يترجموا ذلك ليكونوا وزراء مواطنين بعيدين عن التعالي والإقصاء، فأبناء البحرين جميعهم من وطن واحد تربوا وشربوا من قيمه الحميدة، فلنحافظ على ما تربينا عليه وعلى ما لدينا من القيم، ولنمد الجسور بين المواطن وجميع المسؤولين في هذا البلد، فالبحرين بحاجة إلى جهد الجميع وإلى الكلمة الطيبة، وقبل أن يكون الوزير وزيرًا عليه أن يكون مواطنًا.