عندما تثور بنت المحروسة، تخطف نظراتها الجميع، وتكتب سطور التاريخ على شعرها، ويسمعها الكبير قبل الصغير، فاعلم يا عزيزي انك امام ثورة من اقصى اليمين العاطفي الى اقصى اليسار العقلاني.
فثورة المرأة تحمل معاني كثيرة وشاملة، فثورتها قد تكون من انثى بسيطة تريد ان تحصل على حقها في العمل مثل الرجل، الى ثورة امراة تنوي قيادة دولة، وإن فتحنا كتب التاريخ صفحة المرأة المصرية لتعجبنا بشدة من قوتها وإصرارها.
عندما تثور بنت المحروسة تجدها عكس التيار فتجد شمسا تضيء فجر التاريخ لنتأمل سويا الفرعونة الصغيرة “ماعت كاع راع” أي “افضل النساء بفضل آمون” أو “حتشبثوت” كما نعرفها ابنة تحتمس الأول تطلع بحماس لتعليم المهارات القتالية وفنون الحرب منذ صغرها، لتقود بعد ذلك اعظم حضارة بعقلها، فتقود حربا ليست بالسيف ولكن بالحكمة والذكاء ضد كهنة المعبد الذين لا يرون خيرا في امرأة ان تقود مصر فترتدي لهم حتشبثوت زي الرجال، وذقنا وتسير في رحلة الى نهضة وإصلاح لجميع ربوع البلاد، فتشق الترع والقنوات وتصلح المعابد والتماثيل وتنعش التجارة، والعمل في المناجم، لتقنع الجميع انها خير من مئة رجل، وعندما وضعت امام أمرين التخلي عن عرش البلاد، او سوء الأوضاع والاضطرابات الداخلية، اختارت بلا تردد مصلحة الوطن وتنازلات عن العرش.
عندما تثور بنت المحروسة اعلم انك امام طوفان من سحر الذكاء لا يقاومه ابرع السحرة في العالم، فتجد المصرية قبل غيرها ترفض من حولها وتحكم هي بنفسها من بداية عقلها وقلبها حتى شعب بلدها، فتحدت الخليفة العباسي وأمراء الشام الذين تهكموا كثيرا عليها قائلين “إن لم يعد عندكم رجال فقولوا لنا حتى نرسل رجالنا” فتجد الجارية المملوكة الضعيفة تتحول الى ملكة قوية يهابها اقوى الفرسان لمجرد سماع اسم “شجرة الدر” لتكون اول امرأة تحكم مصر بعد الفتح العربي لها. فتقود “شجرة الدر” الجيوش بنفسها ضد الهجمات الصليبية التي يقودها ملك ملوك اوروبا وفرنسا “لويس التاسع” وتنتصر “شجرة الدر” للمدينة المنصورة، وتجبر الجميع على احترام إرادتها، وعلى الأعداء ان يخشوا حكمتها.
عندما تثور بنت المحروسة تجدها تطير فوق السحاب لتضع الحقيقة بدلاً من السراب، فتجد الشابة الصغيرة “لطيفة النادي” ابنة السادس والعشرين تحلم بتعلم الطيران وسط سجن المجتمع الذكوري الذي يرفض فكرة مثل تلك، فتتحدى ذلك وتعمل “لطيفة النادي” بمدرسة الطيران وبراتبها تسدد مصاريف دراستها، حتى حصلت على اجازة طيار خاص سنة 1933م وكان رقمها 34 أي لم يتخرج قبلها سوى 33 طيارا جميعهم رجال، ثم لحقت بها في حلم الحرية والطيران الحرائر مثل “نفيسة الغمراوي” و”زهرة رجب” و”بلانش فتوش” و”لندا مسعود” و”عايدة تكلا” و”ليلى مسعود” و”عائشة عبدالمقصود” و”قدرية طليمات” لتصبح “لطيفة النادي” بذلك اول امرأة عربية وأفريقية وثاني امرأة في العالم تقود الطائرة منفردة، في وقت ربما كان الرجال يخافون ركوب السيارات.
عندما تثور بنت المحروسة اعلم أنها قد تنتصر على عضلات القوى العسكرية بعقلها الذكي فتجد “سميرة موسى” ابنة قرية سنبو مركز محافظة الغربية في مراحل تعليمها الأولى تؤلف كتابا في مادة الجبر، ويقوم والدها بطباعة هذا الكتاب على نفقته الخاصة انبهارا بابنتها الصغيرة، وتكبر “سميرة” على حب مصر ونور العلم فيثور قلبها كفاحا ضد الاستعمار الانجليزي مع زملائها في الحركة الطلابية، وعقلها يثور علما ضد الجهل.
وفي كلية العلوم تتلمذ على يد العلامة “مصطفى مشرفة” تلميذ “آينشتاين” لتصبح بعد ذلك معيدة بكلية العلوم بعد اصرار من عميد الكلية “علي مصطفى مشرفة” الذي رهن استقالته لتعيين “سميرة موسى” نتيجة رفض البعض تعيين “سميرة موسى” لصغر سنها، وتواصل “سميرة” رحلتها مع أبحاثها وتجاربها العلمية لتحصل على ماجستير في التوصيل الحراري للغازات والدكتورة في خصائص امتصاص المواد للأشعة، ليصبح من السهل على الدول العربية وأية دولة فقيرة في ذلك الوقت ان تحصل على القنبلة الذرية، ولكن كان آخر سطر في حياة “سميرة موسى” كتب بالغدر من اعداء مصر، فرحمها الله ورحم جميع من كتبوا اسم الوطن بأحرف من نور في كل مكان وزمان.
وأشعر بكل الفخر الآن وأنا ارى المرأة المصرية وهي تتحدى كل الجماعات الظلامية وتنتصر على قذائف ورصاص فتاويهم كتحريم تعليم الفتيات ومنعها من ممارسة حق العمل، وكسر شوكة كل هؤلاء اكثر من مرة، وتتغلب عليهم ببساطتها وشجاعتها وصوت غنائها وفرحتها التلقائية على كل من يحسبون أنفسهم على النخب والمثقفين، حتى باتت درة أرض النيل خط الدفاع الاول عن الهوية الوطنية المصرية، والقلب النابض لمدنية الدولة وثوابتها وعقيدتها الوسطية، وزهرة كل المناسبات الوطنية، وتاج كل تحرك سياسي وتفاعل شعبي، ولا اجد ان اقول لها الا كلمات شاعرنا الكبير “نزار قباني” عندما خاطب المرأة الشرقية وهو يقول:
ثوري احبك ان تثوري.. ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور.. ثوري على التاريخ وعلى الوهم الكـبــير.. ثوري على شرق لا يراك الا وليمة فوق السرير.