العدد 2061
الجمعة 06 يونيو 2014
أوروبا من اليسار إلى اليمين المتطرف فادي عيد
فادي عيد
الجمعة 06 يونيو 2014

كثيرة هي الموجات الأيديولوجية والحزبية بالقارة العجوز، ولكن تأتي في تلك المرة موجة اليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية الأوروبية لكي تضرب كل المراكب اليسارية التي ترسو فوق المياه منذ أربعة أعوام.
فكما كان متوقعا اكتساح اليسار بالانتخابات البرلمانية الأخيرة بأوروبا بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية وقتها، كان ايضا متوقعا إخفاقه في تقديم أية حلول واقعية لمواجهة تلك الأزمات، وهو ما جعلنا ننظر لما سيحدث بعد فشل اليسار في البرلمان الاوروبي، فالمؤشرات السابقة كانت تشير الى عودة أحزاب المحافظين والليبراليين والخضر والإقليميين، ولكن ما حدث هو تفوق أحزاب اليمين المتطرف، فحزب الاستقلال البريطاني الرافض للاتحاد مع أوروبا حصل على نسبة 27 % من مقاعد البرلمان، وبات “نايجل فاراج” رئيس حزب الاستقلال صاحب الذراع السياسي الأقوى بالمملكة المتحدة.
وإذا كانت تلك النتائج ستجعل “ديفيد كاميرون” رئيس الوزراء أمام ضغوط شديدة من أجل اتخاذ موقف حاسم بخصوص تعهده بإعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، وبشأن علاقة بريطانيا معه، فقد أصبح كل من “نيك كليغ” رئيس حزب الديمقراطيين الأحرار، و”إد ميليباند” زعيم حزب العمال، ورفاقهم القياديين في مهب الريح.
وفي فرنسا حصد حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف ربع المقاعد، لكى يرسم نوعا من الدهشة على وجه مؤيديه، ونوعا من الصدمة على وجه المنافسين له كما ظهرت تلك الصدمة بوضوح على وجه رئيس وزراء فرنسا “مانويل فالز” الذي علق على تلك النتائج قائلا: إن هناك زلزالاً سياسيا قد وقع. ثم خطاب الرئيس الفرنسي “فرنسوا هولاند” الذي أعرب عن حزنه العميق عن خسارة حزبه أمام اليمين المتطرف، وتصريحه بأن الشعب الفرنسي أصبح يشعر بالغربة في القارة الاوروبية، وهو نفس الشعور الذي كان عليه “فرنسوا هولاند” ونظراؤه الأوروبيون بالقمة غير الرسمية التي انعقدت يوم 27 مايو ببروكسل، فتلك النتيجة هي الأسوأ منذ 35 عاما للحزب الاشتراكي بفرنسا، وربما تكون الصدمة أكثر عندما يرى “هولاند” ورفاقه مساندة الحزب الاشتراكي وحزب الاتحاد من اجل الحركة الشعبية “اليميني المعارض” لحزب الجبهة الوطنية في البرلمان الأوروبي.
كذلك حصد اليمين المتطرف 10 % في الانتخابات اليونانية و12 % بالانتخابات الهولندية، و20 % بالنمسا، وهو الأمر الذي يجعل اليمين المتطرف يشارك بـ 130 نائبا يمينيا متطرفا من اصل 211 نائبا يمينيا، وبتلك النتيجة يكون اليمين المتطرف قد حقق أعلى نسبة للمشاركة في البرلمان الاوروبي منذ تأسيسه.
قد تكون تلك التغيرات الجذرية بالبرلمان الأوروبي غير مؤثرة على سياسة اوروبا الخارجية او خططها الاقتصادية المستقبلية بقدر كبير، ولكن وصول تلك الاحزاب ذات التوجهات اليمينية المتطرفة، صاحبة الدعوات الانفصالية، والمناهضة للاتحاد الأوروبي، والمشككة في اليورو، ستخلق بالتأكيد نوعا من الصراع الداخلي بكل حكومة، وبين الاحزاب وبعضها، خصوصا بين الكبار بالمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وستضع كلا من أسبانيا وإيطاليا في حيرة بين التقرب من لندن (حلف الأطلسي) ام التقرب لبرلين (الاتحاد الأوروبي).
ومن الملحوظات المهمة في تلك الانتخابات الاحجام والعزوف عن المشاركة وبالأخص في المانيا وفرنسا وبريطانيا، فبتلك الانتخابات التي امتنع 55 % من المشاركة في حق التصويت بها بغرب اوروبا، وامتناع 30 % من المشاركة بشرق أوروبا، وقدمت لنا اليمين المتطرف كأغلبية بنسبة تعادل 25 %، بينما حجمت اليسار الراديكالي في أقل من 6 %، أكدت مقولة الرئيس الفرنسي السابق “فاليري جيسكار ديستان” ذو التوجه اليميني الوسطي بعد التوقيع على الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الاوروبي المعروفة باسم معاهدة ماسترخت في أوائل التسعينات ببلدية ماسترخت عاصمة مقاطعة ليمبورخ الهولندية، عندما قال “الاشتراكية الآن لم تعد مشروعة”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية