عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في 19 مارس 2003 راهن جورج دبليو بوش على خلق نموذج ديمقراطي في العراق، فلا يغيب عن الذاكرة أن سيد البيت الأبيض بعد احتلال بغداد بشر دول الشرق الأوسط بأن العراق سينقلب في زمن وجيز لواحة غناء للديمقراطية ستكون موضع حسد وإعجاب الكثيرين!
الابن بوش حدد ثلاثة أسباب رئيسة لغزو العراق، وهي أسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى الرئيس السابق صدام حسين، والتي ثبت عدم صحتها، والعلاقة بين صدام والقاعدة، والتي ثبت عدم صحتها أيضا، والسبب الثالث، وهو نشر الديمقراطية في العراق وفي الشرق الأوسط.
وكان من نتائج الغزو الأمريكي ليس أن تخلف العراق سنوات عن محيطه الإقليمي وتحول إلى دوله متهالكة وآيلة للسقوط، وباتت الطائفية والتمييز ضاربة أطنابها، وأصبح أنموذجا للفساد، فحسب، بل وأصبح أيضا موطنا للإرهاب.
وإذا كان نوري المالكي اليوم يشكو لواشنطن وإيران “داعش” رأس الحربة في الثورة العراقية عبر الهجوم على الموصل وتكريت، فيجب ألا ننسى أن إيران والتي تدعم نظام المالكي هي من دعمت في الأصل “دعش” في العراق، كما دعمت من قبل “القاعدة”؛ بغية الحفاظ على حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وابتزاز الأمريكان في العراق، وتبرير تدخلها المستمر سواءً في العراق وحالياً في سوريا بحجة محاربة الإرهاب والجماعات المسلحة، وربما من المهم هنا تقديم البينة على ما نقول حتى لا نخلق عند أحد لبسا.
السطور التي ستقرؤها حالا هي دليل على دعم إيران لتنظيم “داعش”، ففي كلمة للجنرال جورج كيسي القائد العام للقوات الأمريكية والائتلاف في العراق بين أعوام 2004 -2007 في مؤتمر عقد في ولاية أريزونا الأمريكية تحت عنوان “الإرهاب والتطرف الديني” في 25 أبريل يقول: “عندما ذهبت إلى العراق في صيف 2004 كنت أعلم أن النظام الإيراني سيكون اللاعب الرئيس وخاصة في الحدود مع العراق، ومع مرور الزمن علمت أن النظام الإيراني يتجه منحى ثلاثيا في العمل، ووجدت أنهم قد طبقوا ذلك في نقاط أخرى، بداية أنهم ومن أجل كسب النفوذ السياسي قدموا مساعدات مالية للأحزاب السياسية والقادة السياسيين، وكان هناك هدف مشترك، وبالتالي أنهم كسبوا نفوذا ملفتا في العراق، ثانيا أنهم سعوا بمرونة لكسب تعاطف المواطنين العراقيين لهم من خلال الدعم الاقتصادي لاسيما من خلال المساعدات الاقتصادية في القسم الجنوبي للبلاد؛ لكي يزينوا وجههم، والأمر الثالث أنهم كانوا يزعزعون الاستقرار عبر تدريب وتجهيز المنظمات الإرهابية.
(واضح طبعا من حديث جورج كيسي أن المقصود بالمنظمات الإرهابية هي داعش وطالبان، إذ إن واشنطن لا تطلق وصف الإرهاب ألا على كل ما هو سني).
نواصل حديث جورج كيسي، يقول: “رأينا بشكل واقعي بصمات النظام الإيراني في ملف تفجير الحرمين العسكريين في سامراء شمال العراق في فبراير 2006 (...) وعثرنا على مزيد من المخازن من الأسلحة وعثرنا على أسلحة وصلت من إيران بوضوح، وكانت هناك قنبلة فتاكة تصميمها كان بحاجة إلى قدرة في التصنيع والآليات لم يكن في العراق. وكان يمكن فقط دخولها من إيران، وعثرنا على رمانة بندقية متطورة جدا كانت تخترق درع أكبر دباباتنا وكانت معبأة في صناديق العتاد كتبت عليها باللغة الفارسية بوضوح”.
وربما المهم والأخطر في حديث الجنرال كيسي هو في الجزئية الأخيرة، يقول: “مساء أحد الأيام في شهر ديسمبر اعتقلنا 6 من عناصر قوة القدس في موقع تبين أنه كان مركزا قياديا كانوا مجتمعين مع مليشيات شيعية لفيلق بدر، وتم العثور في هذا المركز القيادي على وصولات الأسلحة، وسجل دقيق لجميع الأسلحة والمعدات التي استلموها، وكانت هناك خارطة لبغداد تم تأشيرها باللون والتفجير للمجموعات الطائفية، وهي معلقة على الجدران، وكانت هناك علامات “إشارة” توضح خطة لتهجير السنة والمسيحيين من أقسام في بغداد واحتلالها من قبل الملشيات”.
ويواصل: “هذا المستند قد أكد كل ما كان يدور في بالنا وتوضح لي فورا أن النظام الإيراني يثير بشكل مباشر وموجه العنف الطائفي لزعزعة العراق، ولم يكن أي شك في ذلك، وانطبع في أربعة أساليب عمل للنظام الإيراني، وكان هذا واضحا مثل وضوح الشمس:
الأول، النظام الإيراني واصل ويواصل استخدام الإرهاب؛ لتحقيق أهدافه السياسية. وهذا معلوم الآن.
الثاني، دور النظام الإيراني في تدريب وتجهيز المليشيات العراقية باعتبارها العامل الرئيس في الاحتفاظ بالعنف الطائفي في العراق من عام 2006 إلى عام 2008 ومازال يتواصل حتى يومنا هذا، ومثلما قلت سابقا إنهم يعملون العمل نفسه في سوريا ولبنان.
الثالث، بسبب الدور المباشر الذي كان لهم، أنهم يتحملون مسئولية مصرع مئات من قوات الائتلاف وآلاف من المواطنين العراقيين، والنظام الإيراني يتحمل المسئولية وبذلك استنتاجي هو أنهم يستحقون إلصاق تهمة الدولة الراعية للإرهاب، وهذا جدير بهم”.
لقد تأثرت البحرين بما يحدث في العراق كسائر دول العالم العربي، وكما حدث من قبل في سوريا، ولكن المشكلة الكبرى عندنا في البحرين أن من يدعون نصرة ما يسمى بالربيع العربي والثورات العربية، لا نراهم ينبسون ببيان أو بكلمة بحق الثورة العراقية بدواع أن من قام به هم تنظيم “داعش”، والذي لا يزيد قوامها على الألف شخص، هذا ما تفعله صحيفة المفبرك، وكأن آهل السنة في العراق داعشين، وبالتالي جميعهم إرهابيون!
هذا السلوك الذي يميل نحو اختراع أشكال وصنوف جديدة من “الفبركة” تلعب دورا في تشويه وتغير الحقائق لا يليق بعقول تدعي التحرر والليبرالية، صحيح أن السياسة لعبة التقلبات، لكن من غير المعقول أن يتحول علمانيون إلى طائفيين وقوميين إلى خمينيين، هذا صعب تخيله، إذ يعني ذلك أن المذهب لا ينتصر على الوطن أو الدين فحسب، بل وحتى على الأفكار والأيديولوجيات السياسية.
متي يعترف شيعة البحرين بأنهم عرب؟ عليكم أن تنزعوا الشوكة الخمينية المسمومة وتختاروا بين هويتكم العربية أو انتماءاتكم المذهبية.